ولا يؤثر في نصاعة هذه الصورة ما حدث من تأثير جزئي نتيجة ترجمة الفلسفة اليونانية على بعض الاتجاهات الفكرية التي بدات تفكر بالعقلية المثالية في أمر الخالق وصفاته وأفعاله وأمر الروح والبعث والجزاء .. ولكن هذه التيارات ظلت ضعيفة في خضم التفكير الاسلامي المتزن وفي ظل يقظة العلماء والفقهاء الذين نبهوا إلى نقطة الخطر ونقطة الأمان في هذا اللون من التفكير الذي لم يجرف الا قلة لم تترك أثرا على سطح الحياة الاسلامية .. وفيما كتبه الامام الغزالي وابن القيم وغيرهما تذكير بأن محنة الفلسفة جاءت من ولوجها الى موضوع الالهيات بلا عاصم من وحي .. وبفضل ذلك كله لم تجد البيئة الاسلامية نفسها في احتياج الى قضايا الفلسفة المثالية في أمر عقيدتها كما لم تجد نفسها متبعة لأسلوبها الوصفي أو النظري في علوم الطبيعة والكيمياء والطب وغيرها .. فهي لم تصد عنه تعصبا وانما لم يعش بينها لأنه لم يجد فراغا يملؤه ويفرض بعده سلطانه على الحياة .. >
* ومن هنا لم تكن البيئة الاسلامية محتاجة في أمور عقيدتها حتى الى اصطلاح الفلسفة فهي غنية بموضوعها و باصطلاحاتها التي تولدت على أصولها الايمانية ولم تكن كلمة الفلسفة من بينها وانما كانت دائما للاشارة الى فكر السابقين من الأمم التي حرمت نعمة الوحي.
* ولم تكد نفس قضايا الفلسفة اليونانية تنتقل إلى أوروبا عن طريق علماء المسلمين حتى صادفت جسما عليلا متقبلا للمرض وصادفت فراغا راحت تملؤه فأضرت أكثر مما أفادت لانها عملت في أوروبا كتيارات فكرية أصيلة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة، فأفسدت من حيث ظنت أنها تصلح و كان لها رد فعل قاس في صورة الاتجاهات المادية على ما سبق ذكره الأمر الذي برئت منه البيئة الاسلامية.
* واليوم ونحن في القرن العشرين .. وموجة الايمان بالله تتصاعد يوما بعد يوم .. وعشرات الكتب التي تبحث في العقيدة على ضوء التقدم العلمي تصدر تباعا نجد أن الدائرة بدات تدور على الفكر المادي الذي أخذ يتواري في خجل أمام نور الحقائق ..