يمتد أثره في نفسي حتى اليوم والى ما شاء الله وكنا نحن والشيوعيين معا في هذا المشهد نشترك في التتلمذ على معلم عجيب •
ففي يوم قائظ الحرب والصيف سريع المجيء في الصحراء - دوت صفارات العودة من العسل وتوافد الجميع من كل صوب الى مكان التجمع .. لكن شيئا جديدا تحمله بعض الأيدي .. انه أعواد من نبات السكران ذى الورق العريض يستظل بها صاحبها تارة أو يسلو بخضرتها تارة أخرى .. ولم يفطن أحد أنها تحمل معها تقعا آخر وسرا أكبر الا بعد أن جلسنا في ارض الطابور .. طالت جلسة الانتظار فوق نصف الساعة .. وفي هذا اليوم على غير المعتاد اختل نظام الجلوس بسبب تحلق اعداد من الأخوة والشيوعيين حول أعواد السكران هنا وهناك .. لقد اكتشفوا فيها شيئا جديدا مدهشا راحوا في متابعته .. أنها دودة سمراء في حجم دودة القز تندلي باعداد كثيرة من أوراق النبات بواسطة خيوط حريرية دقيقة .. و الأنظار تنتقل من دودة لأخرى كأنهم يتابعون أروع الاستعراضات الرياضية .. الملامح واحدة والعيون محدقة و الأنفاس لاهثة. يتصايحون تارة ويمتون تارة أخرى كان على رؤوسهم الطير .. لا فرق في هذا المقام بين ابيض واحمر فالكل في معمل الصحراء والتلميذة سواء .. وسيدة الموقف في الدودة التي تغير جلدها بما فيه من رأس وصدر وأرجل في دقيقة أو أقل، وبعد عدة تقلصات تتخلص من الجلد بعد أن تتكور محتوياتها الداخلية وتأخذ شکل قنديل أخضر اللون في حجم حبة العنب يظل معلقا بالورقة بنفس خيط الدودة الأم .. وفي نفس لحظة سقوط الجلد وخروج القنديل، تقوم كل مجموعة بشق القنديل على الفور، فان جاء الشق قبل انفصال الجلد بلحظة نزل على الأيدى سائل أزرق اللون، وان تأخرت عملية الشق لحظة أخرى حتى يسقط الجلد، نزلت على الأيدي حورية جميلة خلابة المنظر (أي حشرة صغيرة) تهتز أجنحتها المغطاة بشعر خفيف وتختلج اختلاجة مولود جديد يستقبل الحياة .. ولكنها شيء أغرب من كونها مولودا لأن تكوينها كله تم في لحظة .. ان بدا سحرية قد منعتها على التو من هذا السائل العجيب .. يالها من لحظة واحدة بين حالة السيولة والخلق الجديد.