فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 384

نفسا حرة لأنها لم تعبد للشر والباطل، بل تحررت منهما لتعبد للحق والخير وحدهما أي لتلتزم مداريهما حتى يتحقق كمالها- بعبادة الله وحده دون غيره من أسباب الأرض .. وفي هذا يقول سلفنا الصالح: «في العبودية الله تمام الحرية وفي الحرية تمام العبودية» . ومن هنا كانت رسالة الرسل جميعا تضع عن الناس اصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

ولابن تيمية كلام قيم في هذا المعنى في رسالة «العبودية، حيث يفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية، فمن زاوية الحقيقة الكونيه تعتبر جميع الكائنات ومنها الانسان في مقام العبودية لله، وذلك من زاوية خضوعها للقوانين التي فطرها الله عليها، ويستشهد في ذلك بقوله تعالي: «وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها» • لأنها عملية لا خيار فيها. أما من زاوية الحقيقة الدينية، فيعتبر الانسان في مقام العبودية بمقتضى التكليف، ولذلك يراه في الحالة الأولى في مقام العبودية بمعنى أنه معبد. أما في حالة الحقيقة الدينية، فالعبودية بمعنى أنه عابد. وفي هذا يفارق جميع الكائنات، فتكون عبوديته طوعا، وعبوديتها كرها. فالحرية تتمثل في التحرر من جميع المعوقات عن الله، وفي صدق الايمان به تعالي والتزام مدارات شريعته.

فهي من ثم نفس قانون الحركة المتوازنة حول محور ثابت، غير أنها حركة ارادية، هي قانون الارادة.

وفي هذا الاطار يتحرك الانسان في جميع ميادين التعامل بين العديد من الحقوق والواجبات ليزاول أثناء مباشرته حقوقه استخلاص صفات الحق والخير فيها .. يستهدفهما دائما، و ازالة صفات الشر والباطل عنها .. يستبعدهما دائما .. ونفس الأمر بالنسبة لمباشرته أداء واجباته و كانه في ذلك كله كالزارع يسقي النفخة الالهية فيه و يمدها بسر حياتها مصداق تشبيه الايمان في قلب المؤمن بالبقلة تنمو حتى تصبح شجرة طيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت