الصفحة 196 من 352

رسمة تعسفية بعيد الحرب العالمية الأولى، لا بد بداهة من البدء ببناء الدولة وأن يتم ذلك على قاعدة يقبلها الجميع، ومن ثم لا يمكن تصورها خارج إطار العبارة العلمانية التي تقول: الدين الله والوطن للجميع. وهنا، وحول هذه النقطة، بوسعنا القول إن الإخوان المسلمين لا يزالون نوعا ما حبيسي عقيدتهم التي ترفض رفضا قاطعا فكرة فصل الدين عن الدولة. وبطبيعة الحال لا يفتأ الأدب الأصولي يكرر على أسماعنا أن الدولة ليست مرادفة للدين ولا عكسه، لكنهما كلاهما (الدين والدولة) وجهان للإسلام.

مسألة الدولة

مع ذلك، لا يفترض بنا أن نأخذ مسألة هذه المطالبة بإنشاء دولة إسلامية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل بالأحرى كإعلان لشروط شرعية الدولة أو أيضا كطوباوية يدرك أصحابها جيدا استحالة تطبيقها (1) . والقول إن الإسلام نظام حکم ثيوقراطي أمر أسهم الاستشراق بشكل واسع في نشره، ولكن مرة أخرى ليس لذلك النظام من معنى ما لم يلتزم بالنص الحرفي للشريعة التي تهدف إلى رفع الإنسان، العام والخاص، إلى المستوى الأخلاقي المثالي كما وضعه الرسول محمد وتبعه عليه الخلفاء الراشدون (2) اليس الا». علما أن هذا التضييق تحديدا وارد بوضوح تام في برنامج الثورة الإسلامية في سورية، والذي سنشر بعض الفقرات منه فيما يأتي. وبعد خلافة علي وبدايات الفتنة التي قمت أمة الإسلام لم يعرف التاريخ تطبيقة آخر للخلافة الشرعية المثالية تلك، وهي أفضل نظام حكم على الإطلاق بما أنها تضمن رفاهية الإنسان في الدنيا وسعادته في الآخرة. وما كان لهكذا نظام أن يرى النور مجددة، لأن في إنشاء تلك الدولة النموذجية شيئا من الإلهام النبوي وفي استعادتها شيئا من المعجزات.

ينتج من هذا التحليل أن العنصر الطوباوي المعادي للدولة، الذي أشار

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(2) الخلفاء الأربعة الأوائل، حسبما يسميهم التراث الشني «الراشدون، وهو الذي يرد الاتهامات المتناقضة الصادرة بحق واحد منهم أو آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت