الصفحة 234 من 352

منه، الذي صادف العيد السابع عشر لوصول البعث إلى السلطة، وكان الاحتفال هذه السنة احتفالا خاصة؛ فكانت المدن السورية بأكملها مشلولة بالإضراب، وكان المتظاهرون يهتفون في كل مكان بسقوط النظام، مما أدى إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، إلا دمشق، مركز المجتمع الإداري والعسكري، إذ بقيت على الرغم من ذلك خارج الحراك بشكل ملحوظ وبدا أنها المعقل الأخير للنظام الحاكم. وقد أرسل تجار المدينة في اليوم نفسه برقية دعم إلى حافظ الأسد وصلت في الوقت المناسب معطية هذا الأخير ضمانة منية كبيرة.

أما مدينة حلب فكانت، على العكس، تقود الثورة، بل يمكننا القول إن المدينة اعتادت منذ صيف 1979 العيش نسبية على هامش السلطة المركزية، فكانت أحياء بأكملها خارج سيطرة هذه الأخيرة، وباتت العمليات المسلحة أمرأ يوميا والإخوان المسلمون يوزعون منشوراتهم في الأسواق جهارة أمام أعين الجميع، وكان التجار يدعمون بقوة الحركة الإسلامية واستمروا خلال شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس 1980 على إضرابهم. وكان يتم تنظيم مظاهرات - تتحول في أغلب الأحيان إلى معارك حقيقية - موجهة بشكل خاص ضد المؤسسات العامة ومكاتب الحزب والجمعيات الاستهلاكية والحافلات ومکتب شركة خطوط الطيران السورية وخطوط الطيران الروسية (10) . كانت عاصمة الشمال الفخورة بنفسها تشعر بالاحتقان؛ وتفسير ذلك ما كانت تعيشه المدينة من وضع اقتصادي صعب يعود بشكل كبير إلى بعدها عن نظام التوزيع المرتبط بالدولة والممول أساسا من العائدات النفطية العربية؛ وقد أتاحت لها بنيتها الاجتماعية التقليدية، ومن ثم ترابطها وذاكرتها الجمعية المحفوظتان من عبث الدولة أفضل مما هي دمشق العاصمة، التعبير عن ذلك الاحتقان والاستياء.

لا بد من القول أيضا إن حركة آذار/ مارس 1980 الواسعة لم تكن حكرأ على مبادرة الإخوان المسلمين وحدهم في جميع المدن السورية، فالذي حصل على العكس، أن القوى العاملة في البلد وفي فورة مباغتة -

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(10) ثعة المصالح والرعايا السوفيات هدية مميزة للحركة الإسلامية التي تنظر إليهم کامتداد دولي للنظام الحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت