والرأي اليوم أنها كانت الفورة الأخيرة - هي من كانت تتظاهر وقتها، سواء عبر النظام السياسي الذي اختزل إلى حالة هزيلة أم في خارجه؛ فخرجت منظمات عديدة ذات تقاطعات غير محددة جيدة بين الإسلام والناصرية، تقودها شخصيات محلية، مثل الجراح في ريف دمشق. وفي حماة خرج أنصار أكرم الحوراني عن صمتهم ولفتوا الأنظار من جديد، ظهرين أن سبعة عشر عاما من حكم البعث لم تضر بسلطة زعيم الجماهير القديم. وفي حلب واللاذقية وحمص أدي الناصريون من جماعة جمال الأتاسي أو شيوعيو المكتب السياسي (رياض الترك) دورة ليس بالقليل في تنظيم النضال في الأحياء وفي المعامل والورشات، وكذلك فعلت النقابات المحامون والأطباء والمهندسون ... ) الذين أعطوا مظهرا آخر للصراع، مظهر «ثورة المثقفين» ضد الزمرة الحاكمة. أما بالنسبة إلى الحركة 23 شباط»، التي سميت كذلك نسبة إلى انقلاب سنة 1966 الذي أتى بالفرع «المتشدده
صلاح جديد) من حزب البعث إلى السلطة، فقد فضلت أن تبقى في ساحة تعرفها، فرگزت نشاطها على الحزب والجيش والطائفة العلوية، وهي القواعد الثلاث التي يستند إليها نظام حافظ الأسد الذي يحلمون بالإطاحة به بالطريقة نفسها.
وقد توصلت التيارات المعارضة الأساسية الثلاثة - الناصريون والشيوعيون والبعثيون - إلى أن يتجمعوا في الشهر ذاته (آذار/ مارس 1980) في ما سموه «التجمع الوطني الديمقراطي» ، لكنهم ظلوا سجناء خطاب سياسي «قومي» و «اشتراكي» فاقد لأي قدرة على التعبئة الشعبية لأنه مطابق الخطاب الدولة نفسه، كما لم يستطيعوا اقتراح أي بديل سياسي معقول، ذلك البديل الشهير الذي كان وقتها حديث الناس أجمعين.
لم يكن حافظ الأسد مخطئة في رؤيته للأمور، فجاء خطابه الذي ألقاه يوم 8 آذار/ مارس في جامعة دمشق، أمام فرع الحزب في العاصمة، والأزمة في أوجها، موجها حصرية ضد المعارضة الدينية، ونلاحظ فيه الصبغة القومية العربية للخطاب الإسلامي (11) ، وكذلك مهارته في العودة بالإسلام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(11) الذي لم يتغير أبدأ منذ النص المرجعي في ذكرى الرسول العربي، وهو عنوان المحاضرة التي ألقاها ميشيل عفلق قبل ذلك بأربعين سنة (1943) ، وأيضا على مدرج جامعة دمشق. إنه الإسلام -