الصفحة 32 من 352

بلاد الشام إلى مجرد ظواهر محلية للصراع بين الإمبريالية والاشتراكية، كما كانوا يقولون وقتها؛ فكان أن اصطدم بالتزامه ذاك بالحالة السورية بكل تعقيداتها: فالنظام الاشتراكي فيها تزيا بكل فضائل النظام المعادي للإمبريالية والصهيونية التي تمثل رأس الحربة في القضية العربية التقدمية؛ لكنه أصبح في الوقت نفسه أسوأ عدو للقضية الفلسطينية، إذ قام عساکره القساة بمحاصرة ياسر عرفات في طرابلس، الذي لم ينج بحياته إلا بهربه بحرة نحو تونس تحت حماية الأسطول الفرنسي. وفي سورية نفسها بعيش الناس في رعب حقيقي خوفا من المخابرات الذين يتجسسون على أحاديث الناس ويعتقلونهم ويحتجزونهم في أماكن لا يعلم بها أحد، ويعذبونهم بطريقة ممنهجة، بناء على وشاية أو لمجرد الشك. إنه ذلك الخليط بين الاشتراكية الواقعية والاستبداد الشرقي الذي جعل حياتي لا تطاق خلال السنة التي أمضيتها في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق (1977 - 1978) عندما كنت شابة أدرس بكثير من الجهد قواعد لغة صعبة التعلم. كنت قد تعرفت على ميشيل سورا؛ وكنت أكن إعجابة لا حدود له بهذا الباحث الثلاثيني الذي كان قد جهز مكتبة كبيرة مملوءة بالصحف والكتب العربية يستقبل فيه كبار المثقفين السوريين ويحاورهم بلهجة أهل الشام الجميلة ويتراسل مع العظيم آلان تورين، وقد ترجم ونشر عند دار سندباد قصص الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني. كان قسم كبير من الطلاب والباحثين الذين وصلوا إلى سورية يرون في ميشيل قدوة لهم، فاقتفيت أثره بدوري، وتخليت عن نية كانت لدي في الاعتكاف على دراسة ترجمة الفلسفة اليونانية القديمة إلى العربية، وكانت تلك رغبتي الأولى؛ وقررت أن أدرس السياسة في العالم العربي المعاصر، أذكر بخاصة من الأشخاص المتخصصين الذين كانوا معنا بيير جان لويزار الذي يعمل اليوم باحثا في المركز الوطني اللبحوث العلمية (CNRS) ، وهو متخصص مرموق في شؤون العراق، وفلاديمير غلاسمان الذي قادته إجازته في اللغة العربية لاحقا إلى العمل في السلك الدبلوماسي ثم إلى إنشاء أهم مدونة فرنسية عن الثورة السورية، كما كان وراء فكرة إعادة نشر کتاب ميشيل سورا هذا لما فيه من راهنية مع ما يحدث في المنطقة حالية حتى بعد مرور ربع قرن على وفاة المؤلف؛ فصدر الكتاب في ربيع 2012 في طبعة مزيدة ومختلفة عن طبعة 1988.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت