الصفحة 40 من 352

النصوص التي كتبها ميشيل سورا خلال السنوات التي سبقت اختطافه هي حصيلة عملية نضج بطيئة جعلت من ذلك الباحث الاجتماعي الشاب مراقبة متمرسة للمشهد الاجتماعي حتى إذا أتى عمله وبحثه إلى نقد أفكاره الشخصية نفسها التي كان يدافع عنها بداية التزامه؛ إذ كان في الوقت نفسه ملتزمة إلى جانب صفوف التقدمية العربية التي كانت في السبعينيات المرادف للقضية الفلسطينية بشكل كبير، ولد ميشيل سورا سنة 1947 في مدينة بنزرت، في تونس، وقضى فيها طفولته حتى جاءت أحداث سنة 1941

حين قصفت الطائرات الفرنسية البلدة، مما شكل لديه صدمة نفسية، وقد شكلت تلك الحادثة نهاية عنيفة للوفاق الداخلي الذي كان يعيش فيه، إذ أجبر أهله بعدها على الخروج على عجل من تونس. كانت ذكرى ذلك الحدث تثير لديه صورة مرآة كسرت فجأة، مرأة سيحاول لاحقة جمع شظاياها في الشرق. أكمل ميشيل دراسته في مدينة ليون، لكنه لم ينجح أبدأ في الارتباط حقيقة بفرنسا الأم، وظل يحتفظ بحنين لمكان تذوب فيه الثقافة العربية مع الثقافة الفرنسية. سافر في عام 1971 إلى بيروت ليستعرب، يوم كانت العاصمة الثقافية للعالم العربي بقدر ما كانت مدينة عالمية يمكن للمرء أن يتنفس فيها حرية لا تعرفها حاضرات الشرق الأخرى. جال في صيف تلك السنة في المخيمات الفلسطينية في المنطقة بصحبة شبان أوروبيين آخرين كانوا يرون في القضية الفلسطينية تجسيدا للأفكار الثورية التي لم تكن لتتجاوز حدود النظرية في الحي اللاتيني في باريس، فكان ذلك أول احتكاك له مع الميدان» في الشرق الأوسط، وسيبقى طويلا متأثرة بذلك اللقاء. تابع دراسته من سنة 1972 حتى 1974 في دمشق، حيث ترجم في إطار رسالة الماجستير قصص غسان كنفاني، ثم أصبح سنة 1974 أستاذ التاريخ المعاصر في كلية الآداب في بيروت، وكان يدرس في الوقت نفسه اللغة الفرنسية في المخيمات كالتزام نضالي منه.

سنة 1970 بدأت حياته المهنية العلمية بالمعنى الحقيقي للكلمة عندما حصل على منحة باحث مقيم في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق (Ifead) ، حيث كتب أطروحة دكتوراه حول ساطع الحصري، أحد مؤسسي القومية العربية، وبقي في دمشق حتى سنة 1978. کان ميشيل سورا شخصا رصينا ومنعزلا، عن خجل أكثر منه عن تردد، وكان يتمتع بقوة إقناع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت