الصفحة 42 من 352

عقلية كبيرة. والواقع أنه كان من القلة النادرة من علماء الاجتماع المستعربين، في أواسط السبعينيات، الذين عاشوا على أرض الواقع التي يجرون عليها أبحاثهم؛ فوقتها كان كثير من المتخصصين الجامعيين في المغرب والمشرق العربيين المعاصرين قد أهملوا دراسة اللغة العربية، ولم يعد المستشرقون المنكبون على تفسير النصوص يهتمون بالعمل البحثي والاحتكاك المباشر مع المجتمع. وفي هذا المنحى يبقي عمل ميشيل سورا العلمي عملا نموذجية، وقد أسهم بشكل أساس في التجديد العقلي الذي يميز الجيل الشاب من المستعر بين الفرنسيين.

بعد أن انتهت إقامته في دمشق عاد إلى بيروت وانضم، من سنة 1978 حتي 1980، إلى فريق عمل مركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط المعاصر (CERMOC) ، ثم أصبح سنة 1983 السكرتير العلمي للمركز. كانت هذه العودة إلى بيروت ذروة ما تمناه بقوة وصدق، إذ صار بوسعة العمل على ذلك التعايش العربي الفرنسي الذي يحمله في داخله. في تلك الفترة تزوج وأسس عائلة، ولهذا السبب كان يرفض دائما أن يعود إلى فرنسا ويستقر فيها بشكل نهائي، فهناك لن يجد سوى جزء واحد منه. وما كان للحرب الأهلية في لبنان أن تؤثر في ارتباطه بذلك البلد وبتعلقه به. بعد أن عن موظفا في (CERMOC) ، سنة 1981، کرس قسما من وقته لإقناع الإدارة وزملائه أن لا بد له من أن يبقى في بيروت. والحق أن هذا العناد والإلحاح قد حرمه من الوقت والمساحة اللازمين لتحرير كتابه: إذ كان مأخوذة بالمهام المادية للحياة اليومية في مدينة تدمر نفسها، كما كان يعطي الكثير من وقته للصحافيين ممن يمرون بالبلد ويسألونه أن يحكي لهم عن لبنان. لقد اختار أن يبقى على احتكاك مع أرض دراسته، وأن يشارك المدينة، التي استقبلته في أحسن أيامها، أسوأ أيامها. خلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982 كان من الغربيين القلائل الذين بقوا في بيروت الغربية، حيث نشط لإنقاذ مكتبة مركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط المعاصر CERMOC)، واحتج في الصحف على استبلاء إسرائيل على مكتبة مركز الأبحاث الفلسطينية ونقل المستندات إلى داخل إسرائيل.

لكن وفاءه لمبادئه - وإن جر عليه كراهية مقيتة من أنصار إسرائيل ومحبيها - لم يمنعه من أن يحلل ببصيرة وذكاء تراجع «التقدمية العربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت