الاتجاهات وسلوك الانتخاب
وفي المرحلة الثانية من تاريخ علم النفس السياسي، انتقلت بؤرة البحث من الشخصية والثقافة إلى الاتجاهات وسلوك الانتخاب. وأصبحت الدراسات المسحية الواسعة في المنهج المفضل وليس التحليل الكيفي المستخدم في مواد السير النفسية، وانتقل علم النفس السياسي عند تلك النقطة من الاعتماد على التحليل النفسي إلى مقاربة أو مدخل أكثر ملاءمة لدراسة الاتجاهات تمثله نظرية الاتساق المعرفي (cognitive consistency theory) ، إضافة إلى منظور آخر أكثر
علمية» لدراسة السلوك الإنساني، والمتمثل بالنظرية السلوكية (behaviourism) . وستكون السلوكية هي موضوع الفصل الأني، ولذلك فإننا سنضع هذا الموضوع جانبا الآن. أما نظرية الاتساق المعرفي أو نظريات التوازن المعرفي cognitive) (balance theories فترى أن التضارب (أو عدم الاتساق في ما بين الاتجاهات التي يحملها الفرد نشيء حالة من التوتر يبعث بدوره على الضيق. ويسمي اليون فستنغر(14) (Leon Festinger) هذه الحالة تسميته الشهيرة: «التنافر المعرفي» (cognitive dissonance) ، ولأن البشر لا يحبون هذا النوع من عدم الاتساقية أو التنافر، فإنهم يمتلكون دافعا لتخفيضه بطريقة ما. وعلى سبيل المثال، أقامت الولايات المتحدة في خلال الحرب العالمية الثانية حلفا مع الاتحاد السوفياتي ضد ألمانيا النازية، الأمر الذي أزعج غلاة المناهضين للشيوعية من دون شك. ولكن هؤلاء كانوا يستطيعون التخفيف من التنافر القائم في هذه الحالة بإضافة عبارة أو اعتقاد ثالث لهذا الخليط من الأفكار، كالقول إن الأحلاف زواج مصلحة، ضرورية أحيانا لتحقيق أهداف نبيلة. وقد بني روبرت جيرفيز أفضل أعماله في مجال العلاقات الدولية بناء على هذا النوع من التنظير (15) .
كما طور آنغوس کامبل (Angus Campbell) وزملاءه نموذجا نظريا للانتخاب (voting) في كتابهم الناخب الأميرکي (The American Voter) ، وكان لهذا الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــ