ذلك المساء، وتختبر مذاق الطعام، ونوعينه، وسعره، وتقرر الخيار الأمثل بالنسبة إليك وإلى ما تفضله. وبهذه الطريقة كما يقول الاقتصاديون نحقق
المنفعة القصوى (maximum your utility) باختيار أفضل بديل نسبة إلى تكلفته. وبطبيعة الحال، فإن الفرد الإنساني نادرا ما يتصرف على هذا النحو، وبدلا من ذلك، كثيرا ما نقوم بمعالجة المعلومات من خلال ما يسمى الطرائق المعرفية المختصرة» (cognitive short cuts أو الموجهات الذهنية العملية القواعد المبنية على الخبرة) (heuristics) . هذه الطرائق تحدنا في البحث عن معلومات إضافية وتؤدي بنا إلى الوصول إلى قرار أو آخر بسرعة أكبر مما لو لم نتبع تلك الطرائق. ونحن عمليا نقوم باختيار المطعم أو المقهى ذاته في كثير من الأحيان لأننا نتوقع أن يكون الطعام أفضل أو السعر أفضل أو الاثنان معا، إذا كان الحال كذلك في المرة الماضية.
وكان الرائد في تطوير وجهة النظر الواقعية هذه في صناعة القرار لدى الإنسان هو هربرت سيمون (Herbert Simon) وهو منظر في مجال التنظيمات وعالم نفس سياسي، وقد جاء سيمون باثنين في الأقل من المفاهيم المهمة سيظل يذكر فضله بهما وهما: «العقلانية المحدودة» (bounded rationality) وسلوك الاستكفاء (21) (satisficing behaviour) . ويزعم سيمون أن البشر في صناعتهم للقرار يكونون عقلانيين في حدود المعلومات المتاحة لهم (والتي كثيرا ما تكون إما محدودة وإما وافرة جدا يصعب معالجتها ذهنيا) . ونتيجة لذلك، كثيرا ما نكتفي بما يتوافر لنا بدل أن نعمل على تعظيم المنفعة. وبعبارة أخرى كثيرا ما نمسك بأول بديل مقبول يمكن أن يفي بالغرض من بين منظومة غير محدودة من البدلاء الممكنة. لذا، فإنك إذا لم تكن قد قررت أن تأكل ذات مساء، فإنك لن تذرع الشارع من أقصاه إلى أقصاه (والشارع المجاور له أيضا) وتفحص كل مكان فيه، وتختبر الأسعار ونوعية الطعام بتفصيل دقيق، ولكنك بدلا من ذلك ستختار أول مكان مقبول نصادفه. وهذا ما يقوم به صانعو السياسة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(21) على سبيل المثال، انظر: Hatem Alexandler Simon