الصفحة 124 من 456

المنظور الأول منهما يتمتع بشعبية على نحو ما، بوصفه مقاربة لفهم السلوك السياسي، وهو يتلاءم بحق مع تسميته بالخيار العقلاني. وعلى الرغم من أننا سنعود إلى هذا النموذج لصنع القرار في الفصول اللاحقة - كما لا بد أن نسلم أنه يقدم استبصارات قيمة في السلوك السياسي - فإنه لا يعتبر (من وجهة نظر الكاتب في الأقل) مقاربة لدراسة علم النفس السياسي بالمعني الضيق للكلمة. ومع أن دمج المنحيين النفسي والاقتصادي لبناء نظرية موحدة لا يزال مدار بحث، إلا أنه ما من أحد نجح حتى الآن في هذه المهمة. ويسعي منظرو الخيار العقلاني بوجه خاص إلى جعل افتراضاتهم أكثر واقعية، إلا أن القوة الكبرى في الإنسان الاقتصادي، تكمن في أنها تقدم طريقة لتبسيط السلوك الإنساني وجعله قابلا للتنبؤ بشكل أو بآخر. ويستخدم كثير من الاقتصاديين هذا المنظور إطارا لمنظومة مبسطة من الافتراضات مع علمهم التام بأن هذه الافتراضات غير واقعية، ولكنهم مع ذلك يستخدمونها أملا في أن تولد هذه الافتراضات تنبؤات ونموذجات قوية لتفسير السلوك، ولا يسعنا بذلك إلا أن نتكيء على منظور الإنسان النفساني» نظرا إلى واقعيته الشديدة، على الرغم من كل ما ينطوي عليه السلوك الإنساني من خصوصية، وعدم قابلية للتنبؤ. وعلى أي حال، فإن ما تبقى من الكتاب سيركز على هذا المنظور الأخير، على الرغم من أننا سنشير إلى منظور الإنسان الاقتصادي، لاحقا، لكنه سيشار إليه أساسا للمقابلة نحسب لإبراز مزايا نموذج الإنسان النفسانيه. وخلافا للنموذج الأول، فإن علم النفس السياسي حقل إمبيريقي (يعتمد للأدلة العلمية، ويعني بوصف سلوك السياسيين في الواقع وتفسيره، ولا يهتم أساسا بما يجب أن يكونوا عليه، أو بوضع افتراضات مبسطة عن الواقع(23) . كما أنه ليس هناك اتفاق على الإطلاق بين علماء علم النفس السياسي، بشأن طبيعة الواقع، وتصوراتهم عن هذا الواقع.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(23) اقترح على القراء المهتمين بالاتجاه الاقتصادي لتفسير السلوك الإنساني مطالعة كتاب کيث شبيزل ومارك بونشك. انظر: Kenneth Shepsie and Mark Boncheh

وللاطلاع على نقد أوسع لهذا المنظور، انظر: Donald Green and lan Shapiro

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت