ولم يكن هذا كل ما وجده ملغرام، إذ إنه لاحظ كذلك عددا من ردود الأفعال المثيرة للانتباه - كعلامات ضيق وتوتر ظاهرة للعيان لدى المبحوثين جميعا - وإن كانت بدرجات متباينة، علاوة على أن بعضهم أخذ في الضحك، وأخذ بعضهم الآخر في البكاء. وبحسب تقدير ملغرام، لم يكن ذلك الضحك ناجما عن السادية أو القسوة، وإنما كان ردة فعل للتوتر. كما اشتغل المبحوثون بجوانب تقنية، ضيقة من المهمة التي كانوا يقومون بها بعيدا عن جوهر ما يفعلونه، ولكنهم في نهاية الأمر أنهم لم يحملوا أنفسهم مسؤولية ما فعلوا. ويبدو أن هناك تشابها بين ما انتاب مبحوثي ملغرام وما يحدث للطيارين الذين يقومون بقصف المدنيين بالقنابل إطاعة للأوامر. فقد روى أحد الطيارين الذين قاموا بالعديد من الغارات في فيتنام في فيلم وثائقي، حصل على جائزة الأوسكار للأفلام الوثائقية، أنه كان يشتغل بالمهمة التي كان يقوم بها ولم يكن يفكر في الناس الذين يقصفهم. وروى أنه كان يشعر كأنه «مغني أوبرا، يؤدي لحنا (6) .
كما عدل ملغرام في الإجراءات الشكلية لتجربته بطرائق ذات أهمية نظرية؛ نعمل على إجراء تعديلات ليتعرف الآثار التي تنتج، على سبيل المثال، من تغيير: (أ) الطريقة التي كانت تعطى فيها الأوامر، (ب) الموقع الذي تجري فيه التجربة، (ج) المسافة بين المعلم والمتعلم». فكانت واحدة من النتائج المثيرة للاهتمام تلك المتعلقة بالقرب المكاني أو المسافة بين المعلم والمتعلم، حيث تبين أنه كلما قلت المسافة بينهما قلت الطاعة (إلا أنها لم تختف تماما) . وظهر ذلك بوجه خاص عندما وضع المعلم والمتعلمه في غرفة واحدة، وعندما كانت إجراءات التجربة تقتضي أن يضغط المبحوث يد الضحية على لوحة الجهاز المولد للصدمة - وهو شرط «القرب - الملامسة» ، فانخفضت نسبة الطاعة إلى 18 في المئة، أما في شرط «القرب، الذي كان المبحوث والضحية فيه بجلسان معا في الغرفة وحسب، فقد زادت نسبة الطاعة قليلا ووصلت إلى 20 في المئة. ومن الجدير بالملاحظة أن الطاعة ظلت عالية حتى في هذا الشرط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ