الصفحة 172 من 456

جرى اختطافه إلى إسرائيل لمحاكمته على ما ارتكب من جرائم. وتمت إدانته في القدس وإعدامه لاحقا. وقامت أرندت بتغطية محاكمة آيخمان في حينه، لكن ما أثار استغرابها أكثر من أي شيء آخر هو مظهره العادي. وقد تم بث المحاكمة بئا حيا وكاملا في إسرائيل. وبدلا من الوحش السادي الذي توقع معظم الإسرائيليين رؤيته، رأوا رجلا عاديا، شاحبا يقف أمام المحكمة. كان نازيا، وظيفته الرئيسية متابعة الملفات والتيقن بأن القطارات التي تنقل اليهود تسير في مواعيدها.

جري انتقاد أرندت بشدة على هذه الملاحظة في ذلك الحين لأسباب قد تكون مفهومة، ولكنها ابتدعت تعبيرا لوصف آيخمان وأمثاله أصبح مشهورا منذ ذلك الوقت وهو اعتياد الشره. ولم يكن في ظنها إعفاء آيخمان من المسؤولية عما فعل على الإطلاق، وإنما رأت أن فعل الشر كثيرا ما يكون نتيجة نهائية السلسلة من الأفعال لا يتحمل مسؤوليتها شخص واحد بعينه، وأن حلقات تلك السلسلة يمكن أن تتألف (وكثيرا ما تتألف من أفعال أشخاص وصفهم المؤرخ کريستوفر براوننغ (Christopher Browning أخيرا بأنهم رجال عاديون»(9) . وبالمثل، وجد ملغرام أن توزيع مسؤولية اختبار «الضحية» (أي المتعلم) وعقابها على عدد من الأفراد، تزيد نسبة الطاعة بشكل ملحوظ. وربما يكون الواقع الحال هذا انعکاس سياسي واضح تماما من حيث إن مهمات أي قرار سياسي (أو تنفيذه) تتوزع في الغالب على سلسلة من الأفراد، وهذا ما يدعوه ملغرام والشر المنظم اجتماعياه؛ فلا يكون هناك شخص واحد مسؤولا عن عمل معين وحده.

وبالنظر إلى هاتين الملاحظتين معا - واللتين أجريتا بمعزل عن إحداهما عن الأخرى، وكانت الأولى منهما روائية في طابعها (هي رواية أرندت) ، والثانية تجريبية (هي تجربة ملغرام) ، نجد أنهما تعطيان تفسيرا لما بدا عصيا على التفسير وهو الذبح الممنهج لليهود في بلدان المتحضرة، تقع في قلب

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت