يتصرفون. لذا، فإن ذوي النفوذ [ ... ] هم الرجال الكبار أصحاب القرار في القتل الجماعي. قد يعتقدون أن هؤلاء لم يقتلوا لأن أيديهم لم تتلطخ بالدماء، ولكن الناس كانوا يأخذون الأوامر منهم. وفي رواندا، يمكن أن تلقى الأوامر بكل هدوءا (13)
إذا صح ما قيل عن رواندا فإنه يلتقي تماما مع نظرية ملغرام في الطاعة. ولا بد لتفسير ملغرام أن يأخذ بعين الاعتبار إمكان وجود فروق ثقافية في الاستعداد للطاعة، حيث إن البشر ينشأون اجتماعيا ضمن بني سلطوية مختلفة. وفي الحالة الرواندية، هناك دليل كافي على أن ذوي السلطة من مختلف الأوساط، كالأمناء الإداريين، ورجال الأعمال، وحتى رجال الدين تغاضوا عما حدث في رواندا عام 1994 (أو شجعوا عليه) ، فكانت اسرع عملية قتل جماعي في القرن العشرين.
ولكن الاتجاه الموقفي يواجه إشكالية معقدة في عجزه عن تفسير رفض الخمسة وثلاثين في المئة من مبحوثي ملغرام إطاعة السلطة عندما جاءت تلك الأوامر مخالفة لما تمليه عليهم ضمائرهم أو قيمهم. وهذه النسبة من الأفراد وإن كانت تمثل أقلية إلا أنها أقلية لا يستهان بها. غير أن ملغرام لم يعط في تحليله كثير اهتمام لأولئك الذين رفضوا الإذعان للأوامر، ولكن خبرات هؤلاء الأشخاص وقيمهم، على ما يبدو - أو نزعاتهم بعبارة أخرى - كانت من الأهمية بمكان في قراراتهم، فلم يشعروا معها بأنهم لا يملكون خياراه [غير الإذعان. ومن بين أولئك الذين رفضوا توجيه الصدمة الكهربائية للضحية، امراة نشات في ألمانيا النازية (وهي عاملة تقنية في المجال الطبي أطلق عليها ملغرام في كتابه اسم غريتشن براندت(Gretchen Brandt) . إذ يبدو أن هذه المرأة أدركت أوجه الشبه بين الأحداث الواقعية التي جرت في ألمانيا وما طلب إليها القيام به في تجربة ملغرام، وكان الشخص الآخر غير المطيع أستاذا في العهد القديم التوراة). كما أننا نعرف أن هناك من رفضوا الإذعان للأوامر لأنهم اعتقدوا أن ما طلب إليهم فعله كان خطا، وهذا يوحي في مجمله أن النزعات فعلت فعلها لدى خمسة وثلاثين في المئة من المبحوثين في تجربة ملغرام، هم الذين رفضوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(13) مذكور في: Philip Gourtvinch