الصفحة 182 من 456

وإضافة إلى ذلك، فإن نموذج ملغرام وحده لا يقدر على تفسير جميع مظاهر القتل الجماعي، على الرغم من أنه يوضح العديد من القوى النفسية التي تجرف الناس العاديين وتجعلهم يسيرون في إثرها في مثل هذه المواقف. فهناك شيء غائب عن تجربة ملغرام، ولكنه حاضر في جميع حالات القتل الجماعي، كما سنرى في الفصل الثالث عشر، ألا وهو الميل الممنهج والمنظم لتجريد الضحايا من إنسانيتهم. ويقول جيمس والر في هذا الصدد: «إن وضع الضحايا خارج دائرة واجباتنا الأخلاقية، واعتبارهم غير جديرين بالعطف تبعا لذلك، يزيل الضوابط الأخلاقية أمام ارتكاب البشر للعدوان. إن جسد الضحية المجرد من بشريته لا معني له، هو نفاية، وإزالته أمر تقتضيه النظافة لا غير. وفي هذه الحالة لا يكون هناك أي إطار أخلاقي أو عاطفي يربط المعتدي بالضحية ويردعه عن القتل (16) . ولعل تجريد اليهود من إنسانيتهم في أوروبا هو أوضح مثال على هذه الحالة. ويصف فيليب جوريفيتش (Phillip Gourevitch) ، وصفا يثير القشعريرة، لما حدث في الحالة الرواندية، وكيف جرى تجريد التونسي من إنسانيتهم في عيون الهوتو على مدى السنين قبل وقوع القتل الجماعي عام 1994، إذ يقول: «كان يوصف أهل التونسي في رواندا بإينينزي (Ingyenzi) ؛ أي «الصراصيره (17) . وقد جرى إطلاق هذا الوصف بداية على عصابات التونسي التي حاربت نظام الهوتو الجديد الذي تولى السلطة في ثورة عام 1959، بعد أن عانوا طويلا من التمييز» (18) . وكان يستخدم هذا التعبير على راديو رواندا باستمرار بعد مقتل الرئيس الهوتي هايبياريمانا»، وكان المذيعون يحرضون الهوتو على قتل التونسي. وغني عن البيان أن ليس هناك أكثر تحقيرا وإهانة لإنسان من تشبيهه بحشرة

ومما يثير الاهتمام أن المبحوثين في تجربة ملغرام قاموا بشيء من هذا القبيل في تعاملهم مع المتعلم - حيث قال أحد المطيعين مبررا الصدمات الكهربائية التي وجهها للمتعلم إنه يستحق ذلك فقد كان غبيا جداه، على أن

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(18) المصدر نفسه، ص 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت