هذا الجانب أي كيفية تبرير المبحوثين لما فعلوه لم يكن ظاهرا في تصميم ملغرام لتجربته. وأما المظهر الآخر الذي كان غائبا عن تجربة ملغرام فهو العامل الانفعالي القوي المصاحب للقتل الجماعي عادة؛ فإلى جانب الغياب التام للكراهية العنصرية في الموقف الذي تصنعه ملغرام، لم يكن هناك أي مبرر لا «إهانة» المبحوثين للشخص الذي يوجهون إليه الصدمة. وبالمقارنة، وكما يشير آدم جونز Adam Jones) يصعب أن نجد حالة قتل جماعي في التاريخ أو في الوقت الحاضر لا يكون فيها الإذلال دافعا رئيسا» (19) . والمثال الواضح على ذلك مشاعر الحنق والمهانة التي اعترت الألمان بعد فرض معاهدة فيرساي العقابية عام 1919. واجتمع إلى جانبها التضخم المفرط لعام 1920، والركود الكبير في الاقتصاد، كل ذلك جعل كثيرا من الألمان يبحثون من حولهم عن كبش فداء يحملونه اللوم على ما حل بهم من مصائب (20) . وبالمثل، حدث في رواندا أن المستعمرين البلجيك وغيرهم من الغربيين ميزوا عن قصد ضد الهوتو وحاربوا التونسي وعاملوهم كطبقة متميزة (وخلقوا الاستياء الذي لا مفر منه لدى الهوتو) (21) . وبوجه عام، يبدو أن ظروا اقتصادية - اجتماعية معينة تؤدي إلى وقوع قتل جماعي، أو أنها في الأقل تھئيء الظروف المناسبة لوقوعه (22) .
وفي حين أن بحوث ملغرام توضح الآليات التي تجعل أناشا طبيعيين، عاديين يرتكبون الفظائع، إلا أننا لا نستطيع أن نجادل أن هذه الآليات وحدها تفسر وقوع القتل الجماعي تفسيرا تاما. ويجب ألا نطلب من ملغرام، طبا، أن يعيد إنتاج جميع الشروط المرتبطة بالقتل الجماعي في مختبره - فهناك اسباب عملية وأخلاقية واضحة تحد مما يمكن القيام به في مثل تلك البيئة - وبحوثه في الطاعة تاليا هي نقطة بداية لا غير في طريق فهمنا لأسباب حدوث القتل الجماعي. وبالمقابل، كثيرا ما يؤکد ملغرام أنه استطاع استجرار قدر استثنائي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(20) المصدر نفسه، ص 269.
(22) انظر: Kristen Renwick Monroe