وصولي إلى الولايات المتحدة في مطلع العقد الثالث من عمري. ووقع اختياري على مكان ممتاز آخر للدراسة هو قسم العلوم السياسية في جامعة بتسبرغ. ومدينة بتسبرغ شبيهة إلى حد كبير بابنة عمها شيفيلد في إنكلترا، مدينة صناعة حديد في حقبة ما بعد الصناعة. ولعل أكثر ما يشعرني بالندم حين أذكر حياتي كطالب دراسات عليا هو أنه لم يتح لي المجال لأدرس مع الراحل العظيم هربرت سيمون (Herbert Simon) الأستاذ بجامعة كارنيغي ميلون، لأنني لو فعلت لتبينت أمري في وقت مبكر. وبوصفي طالبا في جامعة بتسبرغ، كان أمر السماح بدراسة مواد في جامعة كارنيغي ميلون مستحيلا (وهي لا تبعد سوى بضعة دقائق سيرا على الأقدام من جامعة بتسبرغ) . ولكن سيمون كان عملاقا في عدد من الحقول الأكاديمية، وكانت مساقاته تغص بالطلبة على الدوام. غير أنه حالفني الحظ بدراسة مساق السياسة الجماهيرية (Mass Politics) مع جون هورويتز (Jon Hurwitz) في جامعة بتسبرغ، فأثار اهتمامي بعلم نفس الجماهير وحقق توازنا مع اهتمامي الأولي بتفكير النخبة وسلوكها وهما جناحا البحث في علم النفس السياسي.
والمثير للسخرية أنني لم أعثر على ضالتي إلا في واحد من أواخر المساقات التي درستها، وجاء «اكتشافي، المتأخر للتراث العلمي الذي يمثل العمود الفقري لهذا الكتاب فكان بريان ربلي (Brian Ripley) - الذي أصبح صديقا لي في ما بعد وشريكا في التأليف - يدرس مساقا في جامعة بتسبرغ بعنوان «الثقافة والمعرفة في السياسة الخارجية» Culture and Cognition in) (Foreign Policy ولم أكن متيقنا بما يعنيه هذا العنوان مطلقا، ولكنني بعد أن تحدثت مع بريان قررت أن أخوض المحاولة. وبمهارة فائقة جلب بريان إلى علمي - وهو أفضل مدرس رأيته في حياتي - موضوع صنع القرار في السياسة الخارجية وأثلج صدري حين وجدته يتكئ على نظريات علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي لتفسير صناعة القرارات. وما أن أخذت في التعمق في هذا الموضوع أكثر فأكثر، حتى أدركت أنه المجال الذي كنت أبحث عنه من وقت إلى آخر طوال سنوات، وأنه إرث لا يقتصر على ما جاء به هربرت سيمون وإنما يشمل عظماء آخرين مثل ألكسندر جورج(Alexander George) ،