الصفحة 36 من 456

إن تمييز زمباردو بين «التفاحة» و «الصندوق، يساعدنا على شرح ما نقصده بمصطلحي الموقفية (situationism) والنزوعية (dispositionism) ، وسيكون للتمييز بينهما أهمية خاصة في هذا الكتاب برمته. فهل كان السبب وراء أحداث «أبو غريب» المروعة يعود إلى التفاحات الفاسدة» أم إلى الصندوق الذي احتواها وحولها إلى تفاحات فاسدة؟ وتعرف الموقفية في هذا الكتاب كمقاربة an) (approach أو مدخل لفهم السلوك الإنساني تعتبر فيه البيئة، أو الموقف المحيط بالفرد - أو «الصندوق، وفق مصطلح زمباردو - أكثر أهمية في تكوين سلوك الفرد من نزعاته أو شخصيته؛ أما التزوعية عرف أنها المقاربة التي تعتبر فيها شخصية الفرد وما لديه من اعتقادات وقيم - أو «التفاحة» بحسب تعبير زمباردو - أكثر أهمية في هذا المضمار. ويمكننا النظر إلى السلوك على أنه حدث إما أن يكون مدفوعا بأسباب داخلية(نزعات) وإما بأسباب خارجية (مواقف) ، وإما بمزيج من هذين النوعين من الأسباب بطبيعة الحال. وضمن دائرة الأسباب الموقفية هناك أشكال متنوعة من الأسباب الخارجية التي يمكن أن تؤثر في السلوك - راوح بين الموقع الذي تحتله الدولة في النظام الدولي أي أسباب بعيدة غير مباشرة والأدوار الاجتماعية المحددة التي نقوم بها في حياتنا اليومية لأسباب قريبة أكثر مباشرة، وضمن نطاق المقاربة النزوعية هناك وجهات نظر متنوعة عن ماهية الأسباب التي تقف وراء سلوك الأفراد، تشمل بدورها البني المعرفية [أو الأفكار التي يحملونها في أذهانهم، واعتقاداتهم، وشخصياتهم، وما إلى ذلك. ولكننا سنعتمد هذا التمييز البسيط ابين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية لشرح نظريات نفسية متنوعة ذات صلة بالسياسة، والمقابلة بينها، ثم تبين كيف يمكننا تفسير عدد من الظواهر بناء على هذه النظريات، أي ظواهر من مثل: الإبادة الجماعية، والسلوك الانتخابي، والتعصب العنصري، والصراع بين الدول، وأشكال متنوعة أخرى من السلوك السياسي.

ولقد كانت فكرة التمييز بين العوامل التوعية والعوامل الموقفية بوصفها قوى فاعلة في السلوك الإنساني فكرة محورية في علم النفس الاجتماعي ولا تزال، ويأخذ بها كبار الباحثين في هذا المجال في الوقت الحاضر. (4) وفي حين

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت