الانفعالات) يهتمون بأنفسهم ولا يهتمون بالآخرين، ولا يحاولون تجنب الوقوع في الخطأ، ولا هم قادرون أن يتعلموا من أخطائهم (15)
ويري ميرسر الانفعال، مثلما يراه بنکر وداماسيو، شيئا أساسيا للعقلانية، لا منافسا لها (16) . أما من حيث الأسبقية، وما إذا كانت الانفعالات «تأتي أولا» أم الأفكار الباردة، وما إذا كان على النظرية الجيدة في الفكر السياسي أن تبدأ، تاليا، بالمادة المقدمة في هذا الفصل أم بمادة الفصل السابق - فهذا جدل قديم قدم علم النفس ذاته. ويأخذ باكوف فيرتزبيرغر (Yaacov Vertzberger) اتجاها انتقائيا في هذه القضية، معللا ذلك بأن الانفعالات قد تسبب الأفكار، أو العكس، إذ قد تكون الأفكار هي التي تسبب الانفعالات. وتسبب الانفعالات الأفكار عندما تعمل خبرة سابقة على استشارة ردة فعل انفعالية مباشرة قبل أن تأخذ العمليات الباردة مجراها (17) . ومن ناحية أخرى، كان روبرت زيونك أول من رأى أن الانفعال قد يسبق الفكر البارد، ويتفق العديد من علماء النفس السياسي الآن مع هذا الرأي. فکر مثلا في ما يحدث إذا ما رأيت أحدا يقف أمامك، أو ينظر إليك من شباك قريب فجأة ومن دون سابق إنذار. فإذا لم تكن على وعي بوجود ذلك الشخص هناك على الإطلاق، فإنك ستشعر فجأة، بالدهشة أو الذعر، إلى حد قد يقود بعضنا إلى البكاء أو الصراخ. وفي هذه الحالة نشعر بالخوف أو الدهشة فورا تقريبا، قبل أن يقوم العقل الواعي بمعالجة المعلومات المتصلة بما يحدث. لكن ما يحدث لاحقا، هو أننا إذا ما رأينا صديقا أو شخصا نعرفه خلف ذلك الشباك، فإن عقلنا سيعالج (أو يتمثل هذه المعلومة، وقد نشعر بالحرج إزاء ردة الفعل التي صدرت عنا. وهذا مثال بسيط لحالة وقوع الانفعال قبل الإدراك الواعي، أو قبل معالجة المعلومات.
مرة أخرى، نعاود السؤال ذاته، ما صلة هذا كله بدراسة السياسة. ونستطيع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(16) المصدر نفسه، ص 94