الصفحة 48 من 456

وعلى أي حال، هناك منطقة رمادية بين مفهوم النزوعية ومفهوم الموقفية. فكما أشرنا في ما سبق، يمكننا تصنيف أي نظرية نزوعية على أنها نظرية موقفية من حيث إن نزعاتنا تتكون جزئيا من خلال المواقف التي نخبرها في خلال حياتنا. غير أن هناك نقطتين هامتين لا بد من الإشارة إليهما هنا: أولاهما أننا عندما نصف نظرية ما بالتزوعية فإننا نقصد أن النزعات تؤثر في السلوك كعامل مباشر / قريب العهد، فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن انتماءنا الحزبي أو اتجاهاتنا نحو استخدام القوة العسكرية ربما تكون قد تكونت اصلا بفعل مواقف، فإنها تصبح نزعات دائمة لا تتغير كثيرا من انتخاب إلى انتخاب أو من حرب إلى حرب. ثانيا - ولعلها النقطة الأكثر أهمية - وهي أن معظم المقاربات التزوعية تفترض أن الأفراد يختلفون في ردود أفعالهم نحو المواقف، فالدروس التي استقاها کولن باول من حرب فيتنام، مثلا، تختلف عن الدروس التي استقاها سايروس فانس أو جيمي كارتر، لأن الناس كثيرا ما يكونون اتجاهات واعتقادات مختلفة بناء على موقف خارجي واحد بعينه.

وإضافة إلى المنطقة الرمادية بين النزوعية والموقفية، هناك أشكال مختلفة من كل منهما، فضمن المدرسة التزوعية، على سبيل المثال، هناك معسكران على الأقل يتفقان على أن نزعاتنا الأساسية (وليس المواقف التي نواجهها هي التي توجه سلوكنا، إلا أن أحدهما يرى أن كلا منا يحمل نزعات مختلفة عن الآخر؛ فبعضنا يحمل اعتقاد(س) والآخر يحمل اعتقاد (ص) ، وهذه النزعات تقود إلى سلوكيات مختلفة والإشارة هنا إلى النزعات التي تكون الفروق الفردية بيننا. أما المعسكر النزوعي الثاني، بالمقابل، فيأخذنا إلى مستوى أعلى من التجريد ويقول إننا جميعا كبشر نحمل النزعات المسبقة نفسها

والإشارة هنا إلى النزعات الموروثة العامة لدينا. ومن أتباع هذا المعسكر مثلا هانز مورغنئاو (Morgenthau) ، الواقعي الكلاسيكي الذي كان يحمل نظرة سوداء إلى الطبيعة الإنسانية، معتمدا على إرث هوبز (Hobbes) ومكيافيلي (Machiavelli ) ) ، وقد رأى أن استمرار الحروب عبر التاريخ يمكن أن يعزى إلى الطبيعة الإنسانية (أي إلى نزعات دائمة لدى البشر جميعا، بكل بساطة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت