الصفحة 52 من 456

ولن تقام في هذا الكتاب أي محاولة لحل الجدل القائم بين الموقفية والنزوعية حلا تاما، حتى فصل الختام في الأقل. والسبب في ذلك يعود جزئيا إلى هدف الكاتب من وضع كتاب من هذا النوع؛ إذ إن هناك اسلوبان في التدريس من حيث الأساس؛ أسلوب يعرض فيه المدرسون تصورهم عن العالم ويتوقعون من طلبتهم تقبله، بعد أن يشبع أولئك المدرسون رغبتهم في نسف وجهات نظر الطلبة (في ما لو اجترأوا على البوح بها) ، مستخدمين مهارات معدة مسبقا تدربوا عليها وشذبوها کفن رفيع عبر السنين. ولا شك في أن النبرة التي تصبغ العبارات السابقة ستدعوك إلى اعتقاد أن المؤلف سيدعي أنه من النوع الثاني من المدرسين الذي يعرض على طلبته وجهات النظر المتعارضة ويترك لهم حرية الاختيار بينها. وثمة سيبان للانحياز إلى الاتجاه الثاني: أولهما يعود إلى أن تدريس السياسة يجب أن يتسم بدرجة من التواضع على الدوام لأنه ليس هناك جواب قاطع للعديد من القضايا في هذا المجال، وكل من يدعي أنه اكتشف قوانين السلوك السياسي يجب ألا يؤخذ بجدية. وثانيهما، أن مؤلف هذا الكتاب لا يزال في عمر يستطيع معه أن يتذكر كلا الأسلوبين وأنه وجد الأسلوب الأول منفرا عندما كان الطرف المتلقي للتعليم (خصوصا عندما كان يخالف وجهة نظر المدرس بشأن العالم، والتي عادة ما تكون نظرة غاية في الوضوح ولا تحتمل جدلا!) .

وفي حين أننا قد لا نستطيع حل اللغز الذي يطرحه هذا الكتاب حلا نهائيا على الأرجح، فإن واحدا من أهدافه الرئيسة هو تشجيعك على التفكير بعمق وأنت تقرأ فصوله المتعاقبة عندما يعرض حالة ممثلة لوجهة نظر أو أخرى في تفسير السلوك السياسي، وكما سترى وأنت تقرأ هذا الكتاب، فإن الفصول اللاحقة منظمة حول التوجهين الموقفي والتزوعي، مع أن الفصول الأخيرة قصدت أن تدفعك برفق في هذا الاتجاه أو ذاك - من دون أن ترغمك أبدا على أخذ أي منهما. وبعد قراءة هذا الكتاب قد تستطيع أن تقرر ما إذا كنت موقفيا أم نزوعا، أو أن تتبنى من?ي يدمجهما معا، بناء على مجال السلوك السياسي الذي تحاول تفسيره ربما، والأمر يعود لك، أو أنت من يقرره، كما درجت إحدى وكالات الأخبار البارزة في الولايات المتحدة أن تقول في مثل هذه الحالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت