الصفحة 82 من 456

للتنبؤ، وفي هذه الحالة، ولأن معظمنا يدرك أن مصلحتنا تقتضي الحفاظ على الذات، فإننا سنسرع إلى مغادرة الغرفة قبل أن تلتهمنا النيران.

هناك بعض السيناريوهات في الحياة الإنسانية ما يشبه مثال البناية المحترقة، بمعنى أنها لا تترك سوى حيز ضئيل لحرية الاختيار، على الرغم من أنه حتى في هذا المثال، هناك متسع لقدر من الاختلاف بين الأفراد؛ فإذا كان هناك مخرجان للغرفة مثلا، يمكننا أن نسأل: ما هي الخصائص النفسية التي تحدد اختيارنا لواحد من المخرجين دون الآخر؟ والأكثر مدعاة للاهتمام أن بعضنا قد يترك الغرفة بشكل منظم، بينما يتسلق بعضنا الأخر فوق زملائهم في صراع محموم للخروج. فهل تختفي الالتزامات الأخلاقية نحو الآخرين في التسابق المذعور للخروج، أم مثل هذا النوع من المواقف يظهر نبل بعض منا؟ وقد يأخذ بعضنا دورا قياديا

نأمل أن يكون الأستاذ في هذه الحالة)، فيحاول تنظيم الخروج، وربما بحاول أيضا البحث عن مطفأة حريق، أو ربما أحد الطلبة يكون بائسا تماما من إمكان نجاحه في تلك المادة فيختار البقاء في الغرفة لوضع حد نهائي لمحنته.

هذه مجرد اعتراضات أو (مشاكسات) لا تزعزع الافتراض الأساس بان معظمنا سيسرع باتجاه المخرج في معظم الحالات. إلا أن واحدا من هذه الاعتراضات له دلالة خاصة؛ فمعظم السيناريوهات في مجال السياسة لا يمكن وصفها که «بنايات تحترقه من حيث إنها تتيح في الغالب مجالا أوسع للاختيار مما هو متاح في المثال المتطرف الذي قدمناه. وينطبق ذلك حتى على موقف يتعرض فيه الأمن الوطني لتهديد خطير، ويتفق جميع المعنيين بالأمر على أن

البناية تحترقه فعلا. غير أن السياسة في الحياة الواقعية لا تنطوي على خيارات واضحة تماما كما في حالة الخروج أو عدم الخروج من غرفة تحترق إلا في ما ندر، إذ إن الموقف قد يكون غامضا إلى حد يختلف فيه العقلاء على الوجهة التي يجب أن تسير فيها الأمور. ووفقا لجيرفيز، كثيرا ما تظهر خلافات عميقة في مجال السياسة حول ما إذا كانت الغرفة تحترق أم لا، من حيث المبدأ.

لننظر ثانية في الأمثلة التي قدمناها في الجزء الأول، والتي صورت الحالات التي تطغى فيها المواقف على الأفراد في الغالب. فنحن نعرف أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت