الصفحة 88 من 456

وكمثال عملي على النزوعية ودورها في توجيه السلوك السياسي دعنا ننظر إلى حالة أشبعت درا وهي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما اكتشفت وكالة المخابرات الأميركية (CIA) دليلا على أن الاتحاد السوفياتي يقوم بتركيب صواريخ بالستية متوسطة المدى في كوبا، وهي صواريخ قادرة على الوصول إلى شيكاغو ونيويورك. ولقد كان الرئيس جون ف. كينيدي ومستشاروه مجمعين على ضرورة القيام بعمل ما إزاء ذلك، ونظر الجميع إلى الأمر على أنه استفزاز سياسي وعسكري غير مقبول يتطلب ردا (21) . لكن الاتفاق بين الرئيس ومستشاريه لم يتعد هذا الحد، فحتى في هذه الحالة الخطرة كان هناك خلاف بين مستشاري کينيدي في نوع الخطر الذي يتهدد البلاد. فرات هيئة الأركان المشتركة، مثلا، أن المشكلة عسكرية من حيث المبدأ، بينما رأن وزير الدفاع روبرت مكنمارا أن التهديد القائم سياسي أو رمزي من حيث المبدأ، وقال: «الصاروخ صاروخه، وإن الاكتشاف الجديد لم يغير موضوعيا توازن القوى النووي.

وكان أخطر من ذلك ظهور اختلاف جذري في كيفية التعامل مع الموقف، حيث أراد بعضهم، ومنهم الجنرال كيرتس ليميه، شن ضربة جوية فورية على مواقع الصواريخ السوفياتية، في حين أراد آخرون التفاوض مع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو أو رئيس الوزراء السوفياتي وقتئذ نيكيتا خروتشوف، بينما أراد فريق ثالث ضرب حصار بحري على الجزيرة دليلا على الإصرار وصدق العزيمة، وللحيلولة دون وصول شحنات سوفياتية لاحقة. وفي هذه الحالة أجمع الجميع على أن البناية تحترق على نحو ما، ولكنهم اختلفوا في مدي انتشار الحريق، وما ينبغي القيام به لإطفائه.

نستطيع أن نجد نقطة مماثلة بالنظر إلى الموقف الذي واجهه جورج دبليو بوش بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001. فقد اتفق معظم المحللين على أنه لم يكن هناك مجال - سواء من الناحية الأخلاقية أم الاستراتيجية أم السياسية - لأي رئيس للولايات المتحدة أن يتقاعس عن الرد على ما فعله

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت