فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 574

ومنذ أن طرح ويندت البديل البنائي العام لواقعية والتز Waltz البنيوية انقسمت البحوث البنائية عموما إلى تيارين: الأول، هو البنائية الكلية، التي تطرح تفسيرات نظرية للسياسات الدولية على المستوى العالمي للبنية الذاتية المعرفية (- Wendt 1999;Reus 2003 Smit 1997 ; Fredereking) . أما التيار الثاني، فيركز على أسباب التزام أو عدم التزام الدول بمعايير سلوك معين في الشؤون الدولية (36) . ومن المفارقة أن ما تفتقر إليه البنائية المعرفية هو المجتمع. ليس معنى ذلك أن البنائيين يتجاهلون اللاعبين الداخليين، لكن هؤلاء اللاعبين عموما يتركزون داخل الدولة أو الجهاز التشريعي أو جماعات المصالح أو على أفضل تقدير في الحركات الاجتماعية التي تسعى من أجل اعتماد معيار معين. (37) من ناحية أخرى، فالجماهير بصفة عامة تتعرض للتجاهل إلى حد كبير (38) . فإذا افترض البنائيون أن هوية الدولة تتكون بالتفاعل مع الدول الأخرى، فمن المؤكد أنهم يفترضون أن الهوية تتشكل في علاقتها بأصحابها أيضا. لذلك يجب أن يعمل التفسير البنائي الاجتماعي للعلاقات بين الدول على إعادة المجتمع إلى مكانه الصحيح.

يلخص جون راجي (John Ruggie 1998 b) ما حققته البنائية حتى الآن، فيشير إلى أن ممارسيها «لا يبدؤون بالتكوين الاجتماعي الفعلي للمعنى والدلالة من الصفر» ، ولكنهم يحاولون إثبات وجود حقيقة اجتماعية جمعية معينة، ورصد تأثيرها في السلوك. وإذا أخذنا بنصيحته، فسوف نعيد المجتمع إلى قلب التفسيرات البنائية للسياسات الدولية. وفي أفضل الأحوال، نجد البنائيين المعنيين بالأعراف يصفون السياسات المتعلقة بالجدل حول هذا العرف أو ذاك، حيث يفهمون السياسة على أنها صراع بين الأجهزة الحكومية والبيروقراطية وجماعات المصالح، لكن من دون الغوص في التكوين الاجتماعي لمعنى أدوات الخطاب المستخدم في تلك الصراعات (39) . وفي رأيي أن «التكوين الاجتماعي للمعنى والدلالة من الصفر» -على حد قول راجي- يجب أن يبدأ بالمجتمع على اتساعه لا بالنخبة الاجتماعية والسياسية صانعة القرار. فقصر الاهتمام على المشتغلين بالسياسة فحسب؛ يعني أن البنائية الاجتماعية ترتكب خطأ كبيرة، وهو بتر وجوديتها الاجتماعية إلى نصفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت