بطرح رؤى أخرى للتاريخ ومضمون الهوية، إلا أن جوهر الجدل واضح، حيث كان المفكرون الأمريكيون يثيرون التساؤلات عن معنى هويتهم الوطنية في الكتب، وفي عروض الكتب على صفحات مجلتي فورين أفيرز Foreign Affairs وفورين بوليسي Foreign Policy وصحيفة نيويورك تايمز New York Times، وفي المقالات الموجهة إلى المفكرين الآخرين وصناع السياسة والقارئ المثقف العادي. ولم تكن تلك التجربة غريبة على السياق المقارن، حيث نجد نقاشات صريحة مماثلة في كل بلد آخر.
والأكثر شيوعا من ذلك ما يدور من جدل ضمني كل يوم حول الهوية بين أعضاء الجماعة، من دون سعي مقصود من جانبهم إلى مراجعة معنى هويتهم أو إعادة صياغته. فلو كانت الجماعة صغيرة، فقد تجري هذه العملية في محادثة أو مراسلة كتابية بين اثنين. وفي المجتمعات الحديثة تقوم الصحافة والإعلام بدور مهم في بناء المعنى. كما أن هناك الدعاوى والدعاوى المضادة المتواصلة التي يطرحها المتطلعون إلى زعامة الجماعة بصرف النظر عن حجمها. وهكذا فإن المناقشات السياسية والبرامج الحزبية والخطب كلها تستحضر الإحساس بالذات الجمعية وتعد أمثلة العملية الجدل حول مقومات الهوية.
ولما كان مضمون الهوية هو نتاج الجدل حول مقوماتها، فإن المعلومات التي يستمدها الباحث من الجماعة توضح کم و کيف مدى الاتفاق والاختلاف في الرأي بين أعضاء الجماعة على المعايير التأسيسية لهويتهم الجمعية وأغراضها الاجتماعية ومقارنة علاقاتها بالجماعات الأخرى ونماذجها المعرفية. ولذلك، فإن الجدل يتضمن درجة الاتفاق داخل الجماعة على المعايير التأسيسية للهوية، والاتفاق والالتقاء بين الأغراض الاجتماعية المرتبطة بالهوية، والاتفاق حول المعاني المرتبطة بالجماعات الخارجية، والاتساق بين النماذج المعرفية المشتركة.
وعندما ينظر المرء إلى مستوى الجدل في ما يتعلق بكل نوع من أنواع المضمون داخل الهوية، فإنه يتوصل بالضرورة إلى مقاربة بنائية constructivist للهوية من دون الافتراض أن الأطراف الفاعلة على الأرض تنظر إلى هويتها على أنها بنية ذهنية. ومتى ما انخفضت