فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 574

يدرسهم ليكون حاضرة كمشارك أو مراقب. ثم ينفق الباحث وقتا طويلا في مكان البحث؛ يشاهد ويستمع ويدون ملاحظات ميدانية موسعة، وربما يستعمل أنواع أخرى من التوثيق مثل الرسوم التوضيحية وشجرة النسب والتسجيلات السمعية والبصرية والصور الفوتوغرافية والوثائق التي تنتجها الجماعة موضوع الدراسة. هذه الأشكال التوثيقية تمثل البيانات التي يستخدمها الإثنوجرافي في تحليله. وجدير بالذكر، أن التحليل الإثنوجرافي عادة ما يكون تفسيريا، من حيث إنه يسعى إلى شرح المعاني لا إلى وضع تنبؤات قابلة للتحقق منها، كما يقول کليفورد جيرتس (9: Clifford Geertz 1973 b) : «إن ما نطلق عليه لفظ البيانات هو في حقيقته تصوراتنا عن تصور الآخرين لحياتهم وحياة أبناء جلدتهم» .

وعلى العكس من مناهج جمع البيانات الأخرى الأكثر تنظيم مثل الاستطلاعات والتجارب، لا يطلب من الإثنوجرافيين أن يضعوا فرضيات قبل الدخول إلى الميدان. وتستخدم دراسات إثنوجرافية كثيرة الاستدلال الاستقرائي لتكوين النظريات من واقع البحوث الميدانية، بالإضافة إلى اختبار النظريات الموجودة على خلفية بيانات العمل الميداني. كما تتمتع الإثنوجرافيا بميزة الاطراد، فمع ظهور بيانات جديدة تناقض النظريات والفرضيات القائمة، يمكن للباحث أن يعيد صياغة أسئلته بطريقة أفضل، وأن يختبرها على الفور على خلفية الواقع الميداني. ومرة أخرى كما يقول جيرتس (20: Geertz 1973 a) فإن الإثنوجرافيا «تخمن المعاني وتقيم التخمينات وتستخلص نتائج شارحة لأفضل التخمينات» . ومن ثم، فإن الإثنوجرافيا منهج شديد المرونة، على الرغم من أنه لا يتضمن صرامة داخله تميزه عن المناهج الاستنباطية.

وغاية المنهج الإثنوجرافي هي الكشف عن المعرفة الثقافية الصريحة والضمنية التي يسترشد بها السلوك داخل الجماعة. فالإثنوجرافي يقترب اقترابة شديدة من معايشة ما يعيشه أفراد الجماعة التي يدرسها، ومن ثم، يتوصل إلى فهم أعمق للقواعد غير المعلنة التي يتجاوبون معها، الأمر الذي يعد تقنية بحثية مهمة لأي إنسان يدرس موضوعات الهوية لأنها تمكنه من التوصل إلى فهم الجماعة لذاتها في سياقات مختلفة، ما يهيئ للباحث أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت