الصفحة 6 من 303

هناك عدد لا نهائي تقريبا من المصالح التي يمكن للدولة أن تتبعها من خلال سياساتها الخارجية. فقد اعتقدا أن الافتراض بأن الدول لديها هدف واحد وحسب يعد افتراضا غير منتج لأنه يحول دون رؤية التوازنات التي يواجهها صانعو القرار، كما أن الافتراض بأن الدول لديها أهداف عديدة هو افتراض غير منتج أيضا لأنه يعوق القدرة على التعميم. ومن ثم فقد اتخذا الخطوة الأكثر بساطة وفاعلية مفترضين أن الدول تسعى خلف هدفين، أو تسعى لإنتاج

سلعتين"- بتعبيرات علم الاقتصاد التي يستخدمها المؤلفان - من خلال سياساتها الخارجية، وقد أسمياهما التغير Change، الذي يؤسس الجهود لتغيير الوضع القائم، والحفاظ Maintenance ، حيث تتألف الجهود لمنع التغيير في الوضع القائم. ويمكن القول أن تلك النظرية التي تنطلق من هذا الافتراض، والتي أسمياها نظرية"السلعتين Two-Good Theory ، توفر أساسا قويا يمكن الاستناد إليه لتفسير قرارات محددة، و يمكنها أن تؤسس لفهم عام للأنماط الشائعة في سياسات دول معينة عبر الزمن. والأهم، أن هذه النظرية تقود إلى عدد هائل من الفروض المثيرة القابلة للاختبار، والتي تحظى بقدر كبير من الدعم التجريبي Empirical, ومن ثم، قدم المؤلفان صياغة وصفية ورياضية النظرية عامة مثمرة ومفيدة في حقل السياسة الخارجية، بمقدورها أن تخدم باعتبارها الأساس لقدر كبير من البحث الإضافي، كما يمكنها أن توفر المعلومات عن الجدالات بشأن السياسة الخارجية، الأمر الذي يجعلها أعظم قيمة من النظريات البديلة في هذا الصدد.

يعكس هذا الكتاب في مجمله، مضمونا و تحليلا، ورؤية شاملة، وخبرة بحثية عميقة، وقدرة على التحليل الموضوعي الأصيل والرصين للمؤلفين، فقد اعتمدا على منظومة متكاملة (موضوعا و منهجية تجعل من كتابهما إضافة لها قيمتها ووزنها، تتميز بتفردها في مجال دراسات السياسة الخارجية عامة، والسياسة الخارجية الأمريكية بوجه خاص: فالكتاب قد استمد مادته العلمية من مجموعة متكاملة من الأدبيات المتخصصة والمتميزة، وقواعد البيانات الحديثة والموثقة في المجالات ذات الصلة بموضوعه مثل دراسات الصراع وتحليل الأزمات والتسلح ونظم الأمن والمعاهدات الدولية وغيرها، والتي أسهمت في إبراز الرؤية الشاملة والتحليل الرصين للمؤلفين، كما أظهرت أيضا درجة تميز وقدرة المؤلفين على التناول الدقيق والشامل للسياسة الخارجية الأمريكية من وجهة نظر"نظرية السلعتين"التي تتمحور حولها الإضافة الجوهرية لهذا الكتاب، والتي تتميز بطابعها الرياضي، وخضوع كثير من فروضها الاختبارات إحصائية

ومن هذا المنطلق، وفي النهاية، يمكننا القول أن المؤلفين قد نجحا في إرساء القواعد التي تتيح بناء نظرية عامة للسياسة الخارجية تحاول أن تتميز في مضمونها عن كافة النظريات العلمية التي سبقتها في هذا المضمار. ومن ثم تتجلى القيمة العلمية لهذا الكتاب الذي يقدم إسهاما نظريا جديدا في مجال تحليل السياسة الخارجية لا تنقصه الدقة ولا العمق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت