الصفحة 8 من 303

نظرية السياسة الخارجية

كما يحدث عادة في البحث، بدأ هذا المشروع الاستقصاء ظاهرة واحدة وانتهي کاستقصاء لشيء مختلف إلى حد ما: لقد تركز اهتمامنا دوما على المعاني التي يتضمنها اعتبار السياسة الخارجية موجهة نحو إنجاز هدفين، لكننا حاولتا أن نستكشف كيف يتأتى لهذا الأمر أن يؤثر على فهمنا لدور السياسات الداخلية في صنع السياسة الخارجية. وعلى الفور أدركنا أن فهم الكيفية التي تؤثر بها السياسات الداخلية على السياسة الخارجية يقتضي أن يكون لدينا أولا قاعدة تنطلق منها، نموذج لنمط مثالي لما ينبغي أن تكون عليه السياسة الخارجية بدون ذلك الشد والجذب الناجمين عن الفاعلين المحليين، يمثل هذا الكتاب محاولاتنا لتطوير مثل هذا النموذج

لقد كنا مدفوعين مبدئيا باعتقاد مؤداه أن الطرق التقليدية لتقييم السياسة الخارجية قد تم إثبات خطأها من حيث الجوهر. ويتمثل القصور الأكثر أهمية في أن المحللين يعاملون السياسة الخارجية كما لو أنها موجهة فقط لإنجاز هدف واحد، وهو الحفاظ على أمن الدولة. لقد لاحظ العديد منهم أن"الأمن"مفهوم غامض وأن أي شيء يمكن أن يقال تقريبا لجعله أكثر تحديدا. وشكوانا ليست في كون مفهوم"الأمن"مفهوما بالغ التجريد؛ ولكن بالأحرى لأننا لا يمكننا فهم قرارات السياسة الخارجية إذا ما افترضنا أنها موجهة لإنتاج سلعة واحدة فحسب. ومن ثم، فإن القبول بأن قرارات السياسة الخارجية تنطوي غالبا على مبادلات يعد أمرا جوهريا لفهم تلك القرارات؛ الأمر الذي يقتضي أن تعترف بأن السياسة الخارجية تستهدف إنجاز أهداف متعددة.

يوجد عدد لا نهائي تقريبا من المصالح التي يمكن للدولة أن تسعى لتعقبها من خلال سياساتها الخارجية. ولم يكن ليساعدنا على الفهم أن تعددها جميعا، حتى وإن كان ذلك ممكنا. فلكي تفهم الأشياء فإن التجريد يكون أمرا ضروريا. ولأننا نعتقد أن الافتراض بأن الدول لديها هدف واحد وحسب يعد افتراضا غير مفيد لأنه يعوقنا عن رؤية التوازنات التي يواجهها صانعو القرار، كما أن الافتراض بأن الدول لديها أهداف عديدة هو افتراض غير مفيد أيضا لأنه يعوق قدرتنا على التعميم، فقد اتخذنا الخطوة الأكثر بساطة وفاعلية بافتراض أن الدول تسعى لتحقيق هدفين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت