الصفحة 75 من 303

مصدران للشعور بأن تلك كانت هي الحالة. وكان الأول قائما على افتراض جوهره الاعتقاد في الاستثنائية الأمريكية. فمعظم الأمم، حسب هذه الرؤية، لا تسمح للسياسة الخارجية بان تغذي نقاشاتهم السياسية؛ وبدلا من ذلك فإن تعريفات ما يحقق"المصلحة القومية"قد تجاوزت السياسة بشكل عام و بقيت ثابتة نسبيا على مر الزمن، وقد كان فهم تلك المصلحة القومية هو المرشد القرارات القادة، مهما كانت انتماءاتهم السياسية. وفي المقابل، سمحت الولايات المتحدة بتسييس السياسة الخارجية، بشكل متناقض في بعض الأحيان، وبالتأكيد، كان غير متناسق منذ منتصف السبعينيات. وفي سياق هذه الرؤية، وبالعودة إلى حرب عام 1812 م، كان لدى الولايات المتحدة، بشكل غير متكرر فقط، توافق حول السياسة الخارجية:"فقد كانت الولايات المتحدة مختلفة دوما، كما سجل المراقب الفرنسي ألكس دي توكفيل Tocqueville منذ أكثر من قرن مضى، فبقدر ما كنا عمليين ومستقرين في سياستنا الداخلية بقدر ما كنا عقائديين وواهمين في القضايا الخارجية" (9) ما كان على الولايات المتحدة أن تفعله حسب هذا المنحى من التفكير، هو أن تتصرف ک"دولة طبيعية"في الفصل ما بين القضايا الداخلية والقضايا الخارجية. ومن جهة أخرى، فقد اعتقد البعض أن التوافق حول السياسة الخارجية كان هو الوضع الطبيعي للأمور بالنسبة للولايات المتحدة، وأن التخبط في السياسة الخارجية فيما بعد حرب فيتنام كان هو الأمر غير الطبيعي بالنسبة للأمريكان، وأن الحلال التوافق فيما بعد حرب فيتنام لم يكن موفقة ولكنه كان قابلا للارتداد في الاتجاه العكسي. فبعد أن جعلت تجربة حرب فيتنام قابلية سياسة الاحتواء للحياة موضعا للتساؤل، وبعد أن ترك انهيار الاتحاد السوفيتي هذه السياسة بلا معني، افتقدت الولايات المتحدة وجود إستراتيجية متناسقة تدلها على الطريق الصحيح وتتمحور حولها كل أفعال السياسة الخارجية. فعند وجود هدف مباشر مرغوب و مقبول، طبقا لهذا المنظور، يمكن أن نتوقع ظهور رؤية إستراتيجية جديدة للسياسة الخارجية بالنسبة للولايات المتحدة. فيمكنها مرة أخرى أن تمتلك مجموعة من قواعد السلوك المقبولة بشكل عام والتي يمكن التوصل إلى توافق شامل بشأنها.

ليس مقصودا بملخصنا القصير للرؤية التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية لما بعد الحرب تفسير تلك السياسة؛ ولا بعد ذلك بمثابة تحليل لها بأي مفهوم کان. وإنما نقدمه لكي نعرض مفاهيم مقبولة بشكل عام حول وجود عوامل خارجية أثرت في السياسة الخارجية الأمريكية. وحول وجود اعتقادات سائدة فيما يتعلق بالأهداف الأمريكية والدور المناسب للولايات المتحدة في الشؤون الدولية، قد يبدو بعض من ملخصنا كصورة هزلية غير دقيقة. فشأن أي ملخص في التاريخ فإن بعض التفاصيل تكون مضللة أو عرضة لتفسيرات متعددة. وبرغم ذلك، تعتقد أن الفهم التقليدي للسياسة الخارجية الأمريكية فيما بعد الحرب يتضمن العناصر التي ناقشناها. وقد عرضنا هذا المسح التاريخي ليتسنى لنا أن نبين كيف أن تحليل نظرية"السلعتين"للأحداث يبدو مختلفة. ونأمل أن نوضح أن تحليل الأحداث من منظور"السلعتين"يقدم لنا مدخلا أو مقاربة أفضل وأكثر نفعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت