لقد كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم، أن يبقى في المدينة، ويدافع عنها، ويحصنها ويستفيد من تحصيناتها المتيسرة من حصون وأبنية وموانع طبيعية واصطناعية، وأن يتقبل في المدينة ما يسمى: قتال المدن والشوارع مما يفيد المدافع ويضر المهاجم، ولكنه عليه الصلاة والسلام، لم يستبد برأيه على الرغم من صوابه، بل عرض الأمر كله على أصحابه، واستشارهم، وكانوا على علم مسبق بتفوق عدوهم العددي والعددي عليهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم عن أراد الدفاع في المدينة ليقلل من خطر تفوق العدو على المسلمين، فأيدي كل صحابي أراد ابداء رأيه ما أراد على الني، فانصت إلى آرائهم المتعاقبة دون كلل ولا ملل ولا مقاطعة، ودعا لمن سأله الدعاء، وشجع أصحابه على إبداء الرأي حتى ولو كان مخالفة لرأيه الصريح، وهذا دليل ما بعده دليل على حرية إبداء الرأي بكل مظاهرها وصورها وأشكالها وروحها. ولما وجد أن آراء الغالبية مع الخروج، أخذ بهذا الرأي المخالف لرأيه، والتزم بتطبيقه وتنفيذه حتى بعد أن تنازل أصحاب ذلك الرأي المخالف عن رأيهم، لأنه قرر أن يأخذ برأيهم وعزم على الالتزام به، في ينبغي أن يبدل قراره بعد أن عزم على تنفيذه، وكل هذه الصورة الحية هو تطبيق عملي رائع لمبدأ الشورى، ودليل على اهتمام الشارع سبحانه وتعالى بأمر الشورى، وجعلها دعامة من الدعائم التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام.
وقد تطورت الشورى واتخذت لها أسماء كثيرة وصورة متعددة وتطبيقات شتى، ولا أعرف أسلوبة قديمة للشورى أو حديثة، له ما الأسلوب الشورى الإسلامية من قدسية العمل به في مختلف الظروف والأحوال حتى مع من كانت آراؤهم غير صائبة، فأمثال هؤلاء حتى العصر الحديث بعد خمسة عشر قرنا من الهجرة، في الدول التي تتمشدق بالحرية والمساواة والشورى، يختفي المستشارون المخطئون عن الأنظار