فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد، وللقوم زجل (69) ، وهم يأتمرون بالرجوع، وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عز بأصحابه، حتي عسکر وا بحمراء الأسد، وكان المسلمون يوقدون في تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكر هم ونيرانهم في كل وجه.
وانصرف مشرکو قريش سراعا خائفين من الطلب لهم، ومر بأبي سفيان نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فقال: «هل أنتم مبلغو محمد وأصحابه ما أرسلكم به، على أن أوقر لكم أباعركم زبيبة غدة بعكاظ (70) إن أنت جئتموني؟» ، قالوا: نعم، قال: «حيثما لقيتم محمدة وأصحابه، فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرجعة إليهم، وأنا في آثاركم، وهكذا انصرف المشركون خائفين رجلين من المسلمين، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إلى المدينة، فدخلها يوم الجمعة، وقد غاب خمس ليال (71) .
وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم و بمن معه، من أصحابه، مرهبا للعدو، وليظنوا أن بالمسلمين قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم (72) وأن يحول دون عودة المشركين إلى المدينة، ليلحقوا بالمسلمين وبنسائهم وأطفالهم وشيوخهم خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات لا مسوغ لها.
فكان خروج المسلمين إلى حمراء الأسد بالغ الأثر في معنويات المشركين، حيث تخلوا عن الرجوع من جديد إلى المدينة، واكتفوا
(69) سحاب دو زجل: در رعد، كانهم من فرحهم پرعدون.
(70) عكاظ: اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية، بينه وبين مكة ثلاث ليال، وبينه وبين الطائف ليلة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (303/ 9)
(71) مغازي الواقدي (339/ 1 - 340) وطبقات ابن سعد (48/ 2 - 49) وسيرة اين نام (52/ 3 - 54) وعيون الأثر (37/ 2 - 38) والدرر (197) وجوامع السيرة. (175)
(72) سيرة ابن هشام (52/ 3) والدرر (197) .