فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 43

المسألة الثانية

عظم شأن الفتوى وخطر اقتحامها بلا تأهّل

بقدر ما في الإفتاء من تعليمٍ للجاهل وشفاءٍ للعي وهدايةٍ للحيران وإرفاق بالمكروب، بقدر ما فيها من المخاطرة والجرأة، لأن المفتي (في الحقيقة) وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهو موقّع عن الله تعالى، لأن الوحي قد انقطع ولا سبيل للناس لمعرفة دينهم إلا عن طريق العلماء.

ومن أعظم الجرائم وأقبح المنازل الفتوى بغير علمٍ ولا تأهل. كيف ضل بها من ضل، وهلك بها من هلك، وبغى بها من بغى وظُلم بها من ظُلم، ولا سيما إذا كانت الفتوى معلنة على رءوس الأشهاد، فيلتقطها القاصي والداني وربما ذهبت إلى الأفاق.

فالخطر بها عظيم المنازل غير مأمون الغوائل، وليس بسليم العواقب، وعلى المفتي بغير علم مثل آثام من تبعه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه] [1] .

ولذا كان كثير من فضلاء السلف يتوقفون عن الفتيا في أشياء كثيرة معروفة، فقد قال عبد الرحمن بن أبي ليلى:

أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. [2]

وروى الآجري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من فاته لا أدري أصيبت مقاتله. [3]

(1) أخرجه أبو داود في سننه باب: العلم (3657) ، و ابن ماجه المقدمة (53) ، و أحمد بن حنبل (2/ 321) ، و الدارمي في المقدمة (159) .

(2) السنن الكبرى للبيهقي 646

(3) أخرجه الآجرى في الشريعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت