المسألة التاسعة
لا يأخذ المضطر من القرض الربوي إلا بقدر ما يرتفع به الضرر
إذا اضطر الإنسان لتناول الممنوع فليس له أن يتوسع فيه، بل يقتصر منه على القدر الذي تندفع به الضرورة وإلا كان متعديًا ظالمًا.
فالاضطرار إنما يبيح المحظورات بمقدار ما يدفع الخطر. ولا يجوز الاسترسال، ومتى زال الخطر عاد الحظر. وأصل هذه القاعدة قديمة عند السلف. يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:"كل ما أحل من محرم في معنى لا يحل إلا في ذلك المعنى خاصة. فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم،"
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: { ... فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
قال بن القيم: فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكي، والعادي: الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها.
وقال الطبري رحمه الله في تفسيره: وقال السدي:"فمن اضطر غير باغ ولا عاد". أما"باغ"، فيبغي فيه شهوته. وأما"العادي"، فيتعدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن يأكل منه قدر ما يمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته.
ثم قال رحمه الله بعد أن ساق الأقوال في الآية: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: فمن اضطر غير باغ بأكله ما حرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله، وله عن ترك أكله -بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى. أهـ [1]
وذكر بعض أهل العلم: أن الإنسان إذا ارتكب المحرم للضرورة ولكنه زاد عن حدها -أي فعل ما تندفع به ضرورته وزاد- هل يأثم على الجميع أو لا يأثم إلا على القدر الزائد فقط؟
فيه خلاف في المذهب، ورجح بعضهم: أنه راجع إلى نيته إن كان لا ينوي بارتكاب المحرم إلا دفع الضرورة ثم زاد على ذلك فإنه لا يأثم إلا على الزائد فقط، وإن كان ينوي به التلذذ
(1) تفسير الطبري 3/ 322