أما النوع الأول فيتحقق في عبادة الله خوفًا منه وهربًا إليه، ولا يتأتى ذلك إلاَّ باجتناب ما نهى الله عنه والإقبال على طاعته؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [1] وقد كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من أكثر الصحابة خشية لله، فقد كان تحت عينيه خطان أسودان من كثرة بكائه خشية من الله ورجاءً لرحمته، وثبت أن ميمون بن مهران أتى الحسن البصري فقال له: ذكِّرنا بالله فقرأ عليه الحسن قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [2] فأغمي على ميمون من خشية الله.
كما أن للإحسان في عبادة الله منزلة سامية تكمن في عبادة الشوق والطلب. وهي تتحقق حينما يصير الإنسان مشتاقًا إلى عبادة ربه حريصًا على أدائها لما يحصل له فيها من لذة بمناجاة الله والأنس به. قال النبي (صلى الله عليه وسلم) :"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" [3] ومن بينهم:"رجل قلبه معلق بالمساجد"، أي رجل دائمُ الشوق إلى المساجد لإقامة الصلاة والتعبد فيها. لقد ضرب لنا صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أروع الأمثلة في طلب العبادة والحرص على إحسانها، فكان أنس بن مالك رضي الله عنه من شدة حرصه على إحسان صلاته يعدُّ أشبه الناس صلاة برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما من فرط طول صلاته وإحسانه لأدائها كغصن الشجرة الهامد تقف عليه الطير، وكان أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه) يجيد تلاوة القرآن حق الإجادة حتى قال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذات مرة:"لقد أوتيت مزمارًا من مزامير داود" [4] .
وأما الإحسان في القيام بحقوق الخلق فيتحقق في بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، ومساعدة الفقير وفي غير ذلك مما يلزم مراعاته من حقوق المخلوقات. لقد أخبر نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن الله سبحانه وتعالى"كتب الإحسان على كل شيء" [5] أي أنه أوجب الإحسان في كل شيء. لذلك دعانا
(1) سورة الرعد - سورة 13 - آية.21
(2) سورة الشعراء - سورة 26 - آية 205
(3) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ وَفَضْلِ المَسَاجِد، رقم:660 ِ، أخرجه مسلم في الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة رقم 1031
(4) متفق عليه، أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، رقم:5048، ومسلم صلاة المسافرين وقصرها، باب تحسين الصوت بالقرآن، رقم:793
(5) أخرجه الإمام مسلم في كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَان، عن شدادابن أوس، رقم:57 - (1955) ِ