الصفحة 16 من 28

أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة، ولكن حياءه الفطري حال بينه وبين إعلان نبوته فترة غير قصيرة، ولم تتبد شكوكه إلا بعد أن خضع لإحدى الخبرات الخارقة في غار حراء. ذلك بأن طائفًا تجلى له هنالك يومًا، هو الملك جبريل، على ما تمثله محمد في ما بعد، فأوحى إليه أن الله قد اختاره لهداية الأمة، وآمنت زوجه في الحال برسالته المقدسة، وتحرر هو نفسه من آخر شكوكه بعد أن تكررت الحالات التي ناداه فيها الصوت الإلهي وتكاثرت. ولم تكد هذه الحالات تنقضي حتى أعلن ما ظن أنه قد سمعه كوحي من عند الله""

وبالتأمل في هذه المزاعم، ترى أنها مع طعنها في الوحي المنزل على رسول الله تطعن في عصمته فيما بلغه من الوحي عن ربه عز وجل 0

ويجاب عن هذه المزاعم بما يلي:

أولًا: هذا الذي يروجه كارل بروكلمان ومن يدور في دائرته اليوم باسم - الوحي النفسي - زاعمين أنهم بهذه التسمية، قد جاءونا برأي علمي جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الرأي الجاهلي القديم، لا يختلف في جملته ولا في تفصيله، فقد صور أهل، رجلًا ذا خيال واسع وإحساس عميق، فهو إذن شاعر، ثم زادوا أهل الجاهلية من قبل، فقالوا إن وجدان النبي يطغى كثيرًا على حواسه، حتى يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصًا يكلمه؛ وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخليته ووجد آناته، فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام.

ثانيًا: إن صورة الوحي النفسي كما صوروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدخرة في العقل الباطن، وأنها تظهر في صورة رؤى ثم تقوى فيخيل لصاحبها أنها حقائق خارجية 0

وإني أتساءل: هل كان الدين الذي جاء به خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام بعقائده وتشريعاته في العبادات والمعاملات، والحدود، والجنايات، والاقتصاد، والسياسة، والأخلاق والآداب، وأحوال السلم والحرب، مدخرًا في نفسه؟

وهذا ما تنكره العقول بداهة، لأن ما جاء به بلغه من وحى الله في العقائد: يعتبر مناقضًا لكل ما كان سائدًا في العالم حينئذ، من عقائد، كالوثنية، والمجوسية، والتأليه، والتثليث، والصلب، وإنكار البعث، واليوم الآخر.

ثالثًا: ليس كل ما في الوحي الإلهي مما يستنبطه العقل والتفكير ومما يدركه الوجدان والشعور.

ففي الوحي جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال فيها للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقي والتعليم، أو المعاصرة 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت