الصفحة 17 من 28

ومن هذه الجوانب. ما جاء في الكتاب والسنة، من أنباء ما قد سبق، وما فصله من تلك الأنباء، على وجهه الصحيح كما وقع.

أيقولون إن التاريخ يمكن وضعه - أيضًا - بإعمال الفكر، ودقة الفراسة؟ أم يخرجون إلى المكابرة العظمى فيقولون: إن محمدًا قد عاصر تلك الأمم الخالية، وتنقل فيها قرنًا قرنًا، فشهد هذه الوقائع مع أهلها شهادة عيان أو أنه ورث كتب الأولين، فعكف على دراستها حتى أصبح من الراسخين في علم دقائقها؟ 0

إنهم لا يسعهم أن يقولوا هذا ولا ذاك، لأنهم معترفون مع العالم كله بأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن من أولئك ولا هؤلاء.

رابعا: إن الوحي الذي حدث للنبي فجائي طارئ لا يمكن إحضاره واجتلابه، وبالتالي لا يمكن دفعه ورده 0

ومن أوضح الأدلة على ذلك، ما يعتريه من أعراض جسدية لا سيطرة له عليها، كاحمرار وجهه، وتتابع أنفاسه، وسماع غطيط منه، وما يتقاطر منه من عرق في اليوم الشديد البرد، وثقل جسمه، وما يسمعه الصحابة عند وجهه من صوت كدوى النحل، وقد سبق ذكر الأحاديث الدالة على ذلك.

ومما يدل على ذلك أيضًا، ما انتابه من أحوال تمثلت في خوفه من ملك الوحي في مبدأ أمره عندما قال صلى الله عليه وسلم:"لقد خشيت على نفسي"وقوله:"زملوني زملوني، حتى ذهب عنه الروع"

خامسا: النبوة ليست أمرًا كسبيًا يناله المرء بسعيه وكسبه، ولا تخضع لجهد فكرى، أو ترقي روحي وأخلاقي، ولا تنال بالقيم الدنيوية، ولا الاعتبارات المادية، فليست بابًا مفتوحًا يلج من خلاله من سمت نفسه، بل هي اصطفاء إلهي يختص به من يشاء من عباده.

وقد جعل الله تعالى النبوة في محمد في الرسل قبله، واصطفاه لذلك؛ فأى غرابة وعجب في ذلك؟ 0

إن قدح بروكلمان ومن شايعه في إثبات الوحي لمحمد، وعصمته فيما بلغ، هو قدح في ديانته وفى رسوله الذي يؤمن به، ولكن لعل بروكلمان يرى كما يرى غيره من أهل ملته، أن الوحي هو حلول روح الله في روح الموحى إليه.

ولأجل ذلك ألهوا رسولهم، وهذا تعريف خاطئ للوحي، وقول فاسد، بل هو كفر وإلحاد، فالله لا يحل في غيره، ولا يحل فيه غيره 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت