الصفحة 32 من 52

•"أتحدِّثني أو أجرحك"؟! ومَن مثل شعبة ذكاءً وفطنة! فتخيَّر بفراسته من بضاعته ما يُجيب به تهديد الفتى لعله يرتدع، فقال له:

• حدَّثَنا منصور عن ربعيٍّ عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت ) ). [1]

وأصاب سهمُ شعبة مرماه، فإذا الكلماتُ تصعق الشابَّ وتهزُّه حتى إنَّه رمى سكِّينه من يده، وعزم على الإقلاع عن ذنبه ومفارقة المعصية، فرجع إلى بيته وطهَّره مما كان فيه، فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فأراقه، وكسر آنية النبيذ وآلات اللهو، وودَّع رفاق السوء والهوى، وكأنَّما أراد أن يترك رسالة إلى رفاقه بما آل إليه حاله لعلَّهم به يتأسَّون وفي مستقبل زمانهم يرشدون، ولم يشأ أن يلقَاهم أو يقابلهم لئلا يثنوه عن عزمه أو يضعف هو برؤيتهم فيحنَّ إلى صحبتهم فقال لأمِّه: الساعة أصحابي يَجيئون فأدخليهم وقدِّمي الطعام إليهم، فإذا أكلوا فخبِّريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا، ومضى من وقته إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يَطلب العلم والهدى، وهناك لزم مالكَ بنَ أنس فأثر عنه شيئًا كثيرًا حتى كان أعظم رواة الموطَّأ، وكانت نسختُه أصح الروايات للموطَّأ عن مالك، وذلك عجيب؛ فإن من بين رواة الموطَّأ جبالًا أمثال محمد بن الحسن إمام الأحناف!

ولكنَّ نيَّة الشاب التائب كانت قويَّة وصحيحة، وتوبته كانت صافية ونصوحًا، فصار كذلك.

وكانت كلمة شعبة هي التي حوَّلت القعنبي من سكِّير عربيد إلى إمام محدِّث كبير، ولعلَّ شُعبة لم يُلق لها بالًا، وفي هذا عظة وعبرة للذين يحبسون فضل عظاتهم عن العصاة، فلله كم من كلمة ضعضعت جبلًا من المعاصي كان يظنُّ قبلُ أنه لا يتضعضع ولا يلين.

(1) الحديث رواه البخاري (5769) ، عن أبي مسعود البدري - واسمه عقبة بن عمرو - رضي الله عنه، وقد تصحَّف على بعض الرواة فذكروه عن ابن مسعود رضي الله عنه، وليس كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت