أما جمهور الفقهاء - رحمهم الله تعالى - [1] ، فقد أجازوا القتل في حالات معينة مثل المبتدع الذي يدعو إلى بدعته، والجاسوس المسلم إذا كان يتجسس لصالح العدو.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله: (يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك - رحمه الله - وبعض أصحاب أحمد - رحمه الله - كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي، وأحمد في قتل الداعية إلى البدع، ومن لا يزول فساده إلا بالقتل، وكذلك مذهب قتل الداعية إلى البدع كالقدرية، ونحوهم) [2] .
وهي من العقوبات الأساسية في الشريعة الإسلامية، والتي تطبق على الكثير من الجرائم التي تقع، ولم تبلغ الحد لفقد بعض الشروط أو غير ذلك.
و تعود أهمية تلك العقوبة إلى أنها تحقق المصلحة العامة في ردع العصاة، والمذنبين وتأديبهم، وتشفي صدور المجني عليهم وذويهم.
و من أمثلة ذلك ما رواه ابن فرحون في تبصرة الحكام أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جلد الذي زور كتابًا، ووضع عليه بصمة خاتم اصطنعه على نقش خاتم بيت المال، وقدمه لأمين بيت المال، فأخذ منه مالًا إذ جلده عمر - رضي الله عنه - مائة في اليوم الأول، وفي الثاني مائة، وفي اليوم الثالث مائة [3] .
و منها قضاء عمر - رضي الله عنه - بهجر صبيغ الذي كان يسأل عن الذاريات وغيرها، ويأمر الناس بالتفقه عن المشكلات في القرآن فضربه ضربا وجيعًا ونفاه إلى البصرة أو الكوفة، وأمر بهجره، فكان لا يكلمه أحد حتى تاب [4] . وفي جريمة السرقة التي لم تكتمل شروطها كمن سرق من غير حرز، أو سرق أقل من النصاب من حرز، وكذا كل من حاول السرقة ولم يكملها، كمن جمع المتاع من البيت، ولم يخرج به وقبض عليه وهو في المنزل، ومعه المتاع.
(1) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الأحكام، لابن فرحون، ج 2/ 302، كشاف القناع للبهوتي، ج 6/ 124، كتب و رسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه، لابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن محمد قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، مكتبة ابن تيمية، ج 35/ 406.
(2) - كتب و رسائل و فتاوى ابن تيمية، ج 35/ 405.
(3) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الأحكام، للقاضي برهان الدين إبراهيم بن علي ابن أبي القاسم بن محمد بن فرحون المالكي، بهامش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ أحمد محمد عليش، مطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر 1378 هـ. ج 2297 - 298.
(4) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الأحكام لابن فرحون، ج 2/ 296.