: (إن المصلحة بهذا المعنى تنقسم بحسب اعتبار الشارع لها ملغاة والمعتبرة والمرسلة، وهذه الأخيرة قسمان: ملائمة وغريبة، أما المصلحة الملغاة والغريبة، فليست بحجة عنده قطعًا، وأما المعتبرة، فهي داخلة في باب القياس الذي يشهد له الأصل المعين، وأما الملائمة، فهي التي يأخذ بها دون شهادة الأصل المعين لنوعها ما دامت النصوص قد شهدت لها بالملائمة لجنس تصرفات الشرع، بل أنه لم يأخذ بكل مصلحة ملائمة، فقد أخذ بالمصالح الضرورية، وما جرى مجرى الضروري، ووافقه المالكية على ذلك كله إلا أنهم أطلقوا القول بالمصالح الملائمة الضرورات، والحاجات. [1]
عرفها فيما سبق معنى المصلحة العامة لغة واصطلاحًا حتى تكتمل الفكرة بكل أوصافها لابد من بيان علاقة المصلحة العامة بحق الله تعالى.
حق الله تعالى أو الحق العام: وهو ما يقصد به تحقيق النفع العام من غير اختصاص بأحد من الناس. وينسب إلى الله تعالى لعظم خطره، وشمول نفعه على جميع أفراد المجتمع. [2]
و مثاله الكف عن الجرائم وتطبيق العقوبات من حدود وتعزيرات على الجرائم المختلفة.
أما عن علاقة حق الله تعالى بالمصلحة العامة، فيظهر ذلك من خلال التعريف السالف الذي ذكرته وهو تحقيق النفع العام من غير اختصاص بأحد من أفراد المجتمع، وقد نسب هذا النفع إلى الله تعالى لعظم خطره على المسلمين ومجتمعهم وشمول نفعه على جميع المسلمين ومجتمعهم أيضًا.
وحكم الحق العام: أنه لا يجوز إسقاطه بعفو أو صلح أو تنازل، ولا يجوز تغييره، فلا يسقط حد السرقة بعفو المسروق منه أو صلحه مع السارق بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم. ولا يسقط حد الزنا بعفو الزوج أو غيره. كما أن الحق العام لا يورث ولا يسأل المورث عن جريمة المورث. [3]
و يجري التداخل في عقوبة الحق العام، فمن سرق مرارًا ولم يعاقب في كل مرة، فيكتفى بعقوبة واحدة، لأن المقصود من العقوبة هو الزجر والردع وقد تحقق بالعقوبة الواحدة. [4]
(1) - انظر رسالة في المصلحة للطوفي، ص 26 و ما بعدها، و المستصفى في علوم الأصول للغزالي، ج 1/ 416 و ما بعدها.
(2) - انظر الفقه الإسلامي و أدلته، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر الطبعة الثالثة، عام 1409 هـ ج 4/ 13.
(3) - الفقه الإسلامي و أدلته للدكتور وهبة الزحيلي، ج 4/ 14.
(4) - انظر المبسوط، شمس الدين أبو بكر بن أبي سهل السرخسي، تحقيق خليل محي الدين الميس، دار الفكر بيروت لبنان، الطبعة الأولى عام 1421 هـ، ج 9/ 185.