الصفحة 8 من 22

2 -المصلحة في الاصطلاح:

عرف أهل العلم المصلحة بتعريفات كثيرة متقاربة ألفاظ والمعاني، ولعل أبرز تلك التعاريف ما أورده أحد العلماء عندما قال: (أما المصلحة، فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة، أو دفع مضرة. ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة، ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحسين مقاصدهم. ولكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع. ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، عقلهم ونسلهم وما لهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول مفسدة، ودفعه مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل أو المناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس) [1] .

فالمصلحة العامة في العرف جلب النفع ودفع الضرر، والمقصود في التعريف السابق هو جلب نفع أو دفع ضرر وفق مقصود الشرع، ومعنى هذا أن الناس قد يعدون أمرًا ما منفعة، ولكنه في حكم الشارع الحكيم مفسدة.

المصلحة العامة في حكم الشرع المحافظة على مقاصد الشارع، ولو خالفت مقاصد الناس. ومعنى هذا أن رجوع المصلحة العامة للمقاصد الشرعية في الجملة شرط أساسي لاعتبارها مصلحة مشروعة.

و هكذا نجد أن الإمام الغزالي - عليه رحمة الله - شديد في فتح باب المصالح، فهو يشترط وجود المصلحة العامة، ويعني بها دخول المصلحة تحت المقاصد الشرعية، ثم يشترط شروطًا أخرى معتبرة زيادة على هذا الشرط في المصلحة، وهي اعتبار الشارع لها.

إن الإمام غزالي يعرف المصلحة في الأصل بتعريف أهل العرف، والذين يطلقونه على كل سبب يؤدي إلى النفع.

قال الإمام الغزالي: (إن المصلحة هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع أي إلى نفع مقصود للشارع، وليس إلى مطلق نفع في عرف الناس) [2] .

إن الإمام الغزالي - رحمه الله - يصرح بأن كل ما تضمن حفظ الأصول الخمسة، هو مصلحة، فيكون القصاص مصلحة عنده، لأنه يتضمن حفظ النفس إلا أن هذه المصلحة مما ورد فيه بعينه نص.

كما أن هناك فرق في غاية الأهمية، فيما يتعلق بالمصلحة كدليل شرعي، فالإمام الغزالي - رحمة الله تعالى - ذكر تعريف المصلحة بمعنى الوصف المناسب، وليس بمعنى الدليل الشرعي، إذ أنه قسم المصلحة بعد ذلك أقسامًا، واشترط شروطًا حتى تصلح دليلا على الأحكام، فقال - عليه رحمة الله -

(1) - المستصفى من علم الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، تحقيق محمد سليمان الأشقر، الطبعة الأولى 1417 هـ، مؤسسة الرسالة بيروت، ج 1/ 416 - 417.

(2) - المستصفى في علوم الأصول، للغزالي، ج 1/ 416.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت