عليه وسلم (أَقْرَأَنِي جِبْريل على حَرْفٍ فراجَعْتُه، فَلَمْ أَزَلْ أسْتَزِيده حتى انتهي إلى سَبْعَة أَحْرُف) ؛ أخرجه أحمد والبخاري ومسلم.
كما أن سور القرآن الكريم تنقسم إلى: مكية ومدنية ومعظمها مكية، وفيها من القراءات ما في السور المدنية، ولا دليل على نزولها بالمدينة مرة ثانية، فهذا يدل على أن القِراءات نزلت بمكة المكرمة، كما يدل عليه حديث عمر رضي الله عنه مع هشام بن حكيم؛ لأنهما اختلفا في قراءة سورة الفرقان.
الثان: أنها نزلت بالمدينة بعد الهجرة النبوية؛ لأنها نزلت للتيسير على الأمة بسبب اختلاف لَهَجات القبائل ولغاتهم، ولم تكن الحاجة إليها إلا بعد الهجرة دخول القبائل المتجاوِرَة والمتباعِدَة في الإسلام، كما أنَّ اختلاف الصحابة في القراءات كان بالمدينة، ولم يكن ذلك في مكة، يدل على ذلك حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه الآتي.
وقد حاول البعض الجمع بين القولين، بأن بداية نزول القراءات كان مع بداية نزول القرآن الكريم بمكة؛ حيث توجد القراءات في السور المكية، ولكن الحاجة لم تَدْعُ إلى استخدامها لوحدة اللغة واللهجة بمكة وما جاورها، خِلافًا لِمَا حدث بعد الهجرة؛ حيث دخلت في الإسلام قبائل مختَلِفَة اللهجات واللغات.
مِن المعلوم مِن الدِّين بالضرورة أن القرآن وَحْي ربانِيّ أوْحاه اللهُ عز وجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الأمين عليه السلام؛ قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] .
ومهمَّة جِبريل عليه السلام تعليمه الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزاله عليه، ومهمَّة الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغه للناس بأمرٍ مِن الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .
وليس للرسول صلى الله عليه وسلم أن يُغَيِّر حرفًا مكان حرف، أو كلمة مكان كلمة أخرى، وهذا أمر مُجْمَع عليه في الأمة الإسلامية، وإذا كانت القراءات جزءًا مِن القرآن الكريم، فهي كذلك مِن عند الله عز وجل، ومُنَزَّلَة وحيًّا منه تبارك وتعالى، وإذا كان الرسول