صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع أن يُغَيِّر فيه كما ذَكَرْنا، فَغَيْره مِن باب أَوْلَى، فإذًا القراءات توقيفية ليست اجتهاديَّة وليست اختيارية، وهي سُنَّة مُتَّبعة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اختلف الصحابة رضي الله عنهم: (هكذا أُنْزِلَتْ) .
والخلاصة: أن القراءات مُنَزَّلَة من عند الله عز وجل ومصدرها وَحْي رَبَّانِي، لا يجوز أخذها بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظ القرآن الكريم، وهي وإن كانت تشتمل على اللغات واللهجات لكن لا يجوز الأخذ ولا القراءة بلهجة أو بِلُغَة إلا بِأثَرٍ ورواية مُسْنَدَة.
وضع علماء القراءات ثلاثة أركان بالِغَة الدِّقَّة تُعْرَف بها القراءات المقبولة، وتُميزها عن غيرها من القراءات الشَّاذَّة المردودة، وهذه الأركان هي:
1 -أن تكون موافِقَة للغة العربية ولو بِوَجْهٍ:
بمعنى أن توافِق وجهًا مشهورًا، ومعتدًّا به، مما قاله النُّحاة؛ سواء أكان هذا الوجه هو الأصَح، أم الصحيح؛ لأن القراءة متى ثبتت بالسند المتواتر وموافِقَة رسم المصحف، فلا ينبغِي أن تُرَد، بل تصبح هي حُجَّة على قواعد النَّحْو، لا تكون قواعد النحو حُجَّة عليها، وقد أحسن الكوفِيون باحتجاجهم بقراءة الإمام حَمْزَة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] بِجَرِّ (الأرحام) على أن يجوز العطف على المجرور دون إعادة الجَر، والبصريون المُعارِضون لهذا يقولون: إن (الأرحام) جُرَّتْ على القَسَم تعظيمًا لها، وحثًّا على صلتها، فالقراءة سنة مُتَّبَعَة كما رُوِيَ عن زيد بن ثابت.
2 -أن تكون مُوافِقَة لِخَطِّ أَحَد المَصاحِف العُثْمانية ولو احتْمِالًا:
فيكفي لتحقق هذا الشرط أن تكون القراءة ثابتة في بعض المصاحف العثمانية دون البعض الآخَر؛ كقراءة ابن عامِر الشَّامِي {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] مِن غير واو (قالوا) ، وقوله تعالى: {وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] بزيادة (الباء) في الاسمَيْن، (وبالزُّبُر وبالكِتاب المُنِير) .