الصفحة 2 من 18

تُعَدُّ معاجم الحقول الدَّلالية خطوةً مهمةً في طريق تطوير ما يعرف بمعاجم المعاني أو معاجم الموضوعات؛ لأنَّ لها أدوارًا مهمةً في إحكام تنظيم المفردات وفق مفاهيم تجمعها، وبذلك لم تعد الفائدة من هذه المعاجم منحصرةً في تزويد الكاتب بألفاظٍ لمعانٍ تجول في ذهنه، بل صارت تُستعمَل في تعليم اللغات، وتسهِّل عملية الترجمة الآلية، وتسهم في تتبع التغيرات الدلالية التي حملتها الكلمات في مسيرتها التاريخية.

وهذه المعاجم التي يسعى العلماء فيها للوصول إلى أعلى درجات الدِّقة، بإخضاعها لتصنيفاتٍ معتمدةٍ على ما يجدُّ من طرقٍ في مجال الحقول الدَّلالية، تمثيلٌ لغويٌّ للعلاقات المنطقية في الكون، إذ إنها تنسج من الألفاظ شبكاتٍ دلاليةً تربط بعضها ببعض، وتبرز العلاقة بين الألفاظ ودلالتها، ومرجعيتها في العالم المحيط بالإنسان.

ويرى الدكتور أحمد عزّوز أن «ترتيب الكلمات في مجموعات يرتبط بفطرة الإنسان، ومن خصائص العقل الإنساني الذي من طبيعته الميل نحو التصنيف والبحث عن العلاقة التي تكوّن أجزاء هذه المجموعة أو تلك، حتى يتسنى لنا فهمها ووضع قوانينها ثم الحكم عليها والاستنتاج» [1] .

وقد مرّت هذه المعاجم بمراحل منذ بدءِ الإنسان بتجميع الألفاظ في مُصَنَّفاتٍ تُفسِّر له علاقة اللفظ بمدلوله، فمنهم من جعل قدَم السبق للهنود مع (بانيني) ، وآخرون يرون أنَّ الصينيين هم من أوائل البادئين بهذا الفن. واستمرت في الظهور والتطور مع تطور الحياة وما يجدُّ فيها من مفاهيم.

لم تكن هذه المعاجم وليدة اللحظة، وإنما وُجدت مع محاولات الإنسان الربط بين اللفظ ودلالته والمرجع الخارجي، وليس القولُ: إنَّ العرب كان لهم إسهامٌ في هذا الفن من فنون التأليف المعجمي -ضربًا من ضروب التعصب أو الادِّعاء المفتقر إلى الدَّليل، بل إنَّه مثبَتٌ بما وصلَنا من نصوصِ ما عُرِف في تراثنا بمعاجم المعاني أو معاجم

(1) ) د. أحمد عزوز، أصول تراثية في نظرية الحقول الدلالية، ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت