الموضوعات التي جُمعت وَفق طرقٍ تُقارب إلى حدٍّ بعيد ما يُطلَق عليه في أيامنا بمعاجم الحقول الدلالية، والتي تُعرَّف بأنها: «معاجم تقوم على حقول تضم مفاهيم كلية، تضم في داخلها ما يرتبط بها من مفرداتٍ تدلُّ على مفاهيم فرعية مرتبطة بالمفاهيم الكلية» .
ويسعى هذا البحث إلى تسليط الضوء على دور العرب في التمهيد لنظرية الحقول الدَّلالية، مستندًا إلى أثرٍ لغويٍّ يُعدُّ من أهمِّ ما صُنِّف من معاجم موافقةٍ لها. هذا الأثر هو فقه اللغة للثعالبي، وقد وقع الاختيار عليه؛ لأنّه قد وضع إرهاصاتٍ تتفق مع ما جدّ في مجال الحقول الدّلالية.
والغاية من هذا البحث هي:
1 -التأريخُ للونٍ من ألوانِ التَّصنيف المعجمي.
2 -إظهارُ ما في تراثنا من إسهاماتٍ علينا أنْ نوظِّفَها في أيامنا بنسجٍ جديد.
3 -كيفية الإفادة من هذا النوع من المعاجم.
قبل عرض النظريات الدلالية وآراء أصحابها، سأبدأ بتعريف مفهوم الحقل الدلالي، الذي جُعلت المعاجم حاملةً لاسمه.
من المسلَّم به أن الكلمة لا تحمل دلالة إلا بالسياق الذي يربطها بغيرها من الكلمات، ولهذا فإن أقرب تعريف للحقل الدلالي هو تعريف جورج مونان الذي بيَّن أنه: «مجموعة من الوحدات المعجمية التي تشتمل على مفاهيم تندرج تحت مفهومٍ عامٍّ يُحدد الحقل» [1] فهو أبسط تعريف جامع لمعنى الحقل الدلالي، فكلمة شجرة مفهوم عام تندرج تحته أشجار البرتقال، والتفاح واللوز، والمشمش ... إلخ، هذه الألفاظ تمثِّل وحدات معجمية حاملة لمفاهيم معينة تتفق ومفهوم الوحدة المعجمية الشجرة، ومن مجموع الوحدات المعجمية ومفاهيمها يتكون حقل دلالي مستقل. فهو قِطاعٌ دلاليٌّ
(1) د. أحمد عزوز، أصول تراثية، ص 13.