فقالت هند:
لَقَدْ أَيْقَنَتْ نَفْسُ الْفَتَى غَيْرَ بَاطِلٍ ... وَإِنْ عَاشَ حِينًا أَنَّهُ سَوْفَ يَهْلِكُ
وَيَشْرَبُ بِالْكَأْسِ الذُّعَافِ شَرَابُهَا ... وَيَرْكَبُ حَدَّ الْمَوْتِ كَرْهًا وَيُسْلَكُ
وَكَمْ مِنْ أَخِي دُنْيَا يُثَمِّرُ مَالَهُ ... سَيُرَثُ ذَاكَ الْمَالُ رَغْمًا وَيُتْرَكُ
عَلَيْكَ بِأَفْعَالِ الْكِرَامِ وَلِينِهِمْ ... وَلا تَكُ مِشْكَاسًا تَلِجُّ وَتَمْحَكُ
وَلا تَكُ مَزَّاحًا لَدَى الْقَوْمِ لُعْبَةً ... تَظَلُّ أَخَا هُزْءٍ بِنَفْسِكَ يَضْحَكُ
تَخُوضُ بِجَهْلٍ سَادِرًا فِي فُكَاهَةٍ ... وَتَدْخُلُ فِي غَيِّ الْغُوَاةِ وَتُشْرِكُ
أَلا رُبَّ ذِي حَظٍّ يُبَصَّرُ فِعْلُهُ ... وَآخَرَ مَصْرُوفٌ وَفِي الْحَظِّ يُؤْفَكُ
فقال أحسنتما وأجملتما فبارك الله فيكما ووصلهما وحباهما.
وإذا تأملنا الحوارية النثرية التي أدارها القلمّس بين المرأتين، وجدناه يبدأ أولًا بسؤال جمعة، ثم يُثَنِّي بسؤال هندٍ التي تستأثر دون أختها - كما في نص الحوارية - بمساحة أكبر من الحوار، فهي تُعقِب على كلام أختها بما يكون شرحًا لكلامها أو زيادة عليه كقولها - تعقيبًا - في سؤال أيّ النوق أحب: هذه صفة ناقة صاحبها خليق أن لا يهمه سفر، ولا يسبقه خبر، ولا يهوله خطر ولا يفوته ظفر، ثم تستدرك على ذلك بقولها: وغيرها أحب إليّ منها أُحِبُّها ضخمة مثل الجوسق، شدقها مثل شدق النقنق، مدمج خلقها، موثق كثيرة الهباب، ناجية الذهاب وشيكة الإياب، وتلك تقنية من تقنيات الحجاج اللغوية من حيث الاستدراك بما هو"رفع توهّم يتولد من الكلام السابق رفعًا شبيهًا بالاستثناء، وهو معنى لكنّ" [1] والذي نراه هنا القسم الأول من قسميْ الاستدراك [2] ، فهند لم تنفِ ما قالته جمعة، وإنما أقرته وأكدته،
(1) - أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم المدني - تحقيق شاكر هادي شاكر 1/ 385 - ط 1/ 1968 م - مطبعة النعمان - النجف الأشرف - بغداد.
(2) - للاستدراك قسمان عند ابن أبي الإصبع ذكرهما في تحرير التحبير، وبديع القرآن: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم، وتوكيد، وقسم لا يتقدمه ذلك. انظر: بديع القرآن لابن أبي الإصبع - تحقيق حفني شرف ص 117 - طبعة دار نهضة مصر، وكتاب: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن - تحقيق حفني شرف ص 331 - طبعة 1965 م - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.