قال: فأجابني من وراء جدار المسجد شخص أسمع صوته ولا أرى شخصه:
ألا فدع البكا وخل عنه *** ونفسك فابكها حتى الممات
فكل جماعة لا بد مما *** يُفرق بينهم وقع الشتات
قال: فاقشعر جلدي من الصوت إذ لم أر الشخص، فقلت: من تكن يرحمك الله، قال: أنا من الجن المؤمنين، كنا سبعين كما كنتم، نشهد الصلوات الخلف خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فمات أصحابي ولم يبق منهم غيري، كما لم يبق من أصحابك غيرك، وأنا ممن أدرك سليمان، وكنت أقرب الجن إلى بساطه، شعر:
استودع الله أحبابي الذين ثووا *** وخلفوني في نيران تبريحي
استنشق الريح من تلقاء أرضهم *** لقد قنعت من الأحباب بالريح
قال السيوطي رحمه الله في آخر تكملة الجلالين في آخر سورة الإسراء:
حمدت الله ربي إذ هداني *** لما أبديت من عجزي وضعفي
ومن لي بالخطا فأرد عنه *** ومن لي بالقبول ولو بحرف
قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ} [الحديد:22] الآية قال ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن العاقل من جعل الفرح شكرًا والحزن صبرًا.
وقال جعفر الصادق: يا ابن آدم، مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت.
فائدة: قال السيوطي في حاشية البخاري: قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى} [النور:22] ، قال ابن المبارك: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله تعالى، وقال القائل:
فإن قدر الذنب من مسطح *** يحط قدر النجم من أفقه
وقد جرى منه الذي قد جرى *** وعوتب الصديق في حقه
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله تعالى ورضي عنه في كتاب «الكلم الطيب» : إن أبا النضر تحول عن جوارنا، قال: فاشتد ذلك عليّ، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس، وإلى المحاربي، وإلى أبي أمامة، فكتب إليَّ المحاربي: [77]
إن في المدينة كان بئرًا كلما *** أدلوا دلوًا قطعوا رشاها
فنزل بهم ركب فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء، ثم تكلموا بهذا الكلام على الماء، وصبوه في البئر، فخرجت نار وطفت على رأس البئر، قال أبو النضر: فأخذت تورًا من ماء، ثم تكلمت عليه بهذا الكلام، ثم رشيته في زوايا البيت، فصاحوا بي: يا أبا النضر أحرقتنا، نحن نتحول عن جوارك، وهو هذا الكلام:
بسم الله الرحمن الرحيم، احتسبنا بالله الذي لا شيء يمتنع منه، وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام، وبسلطان الله