إن الشيخ المصوَّر في هذه الأبيات والتي قبلها هو مزيجٌ من ربوبية ونُبُوّة. أما الإسلام فلم يدع إلا إلى عبادة إله واحد هو الرحمن الرحيم.
الخرقة: لباس يخلعه الشيخ على المريد بعد تَلَقِّي العهد. وتكون الخرقة حسب حال المريد، فقد تكون قميصًا قصيرًا من غير كُم، وقد تكون من صوف، أو غير ذلك. والخرقة نوعان: خرقة الإرادة وخرقة التبرك. ويجوز للشيخ - كما يقول السهروردي - أن يُلْبِس المريد خرقًا في دفعات على قدر ما يَتَلمّح من المصلحة للمريد، فيختار الأزرق، لأنه أوفق للفقير، لكونه يتحمل الوَسَخ. ويُسْتَحْسَن أن تكون الخرقة قميصًا قصير الأكمام؛ ليكون على الخدمة [1] .
والخرقة رمز للرباط الوثيق بين المريد وشيخه، وإعلان من المريد أنه قد فَوَّض أمره إليه، وأنه قد حكم الشيخ في نفسه، وأذعن طائعًا مختارًا لأمره ونهيه [2] .
ويعقب الشيخ الوكيل - رحمه الله - على ما ينشر في كتب التصوف، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ألبس الخرقة لهذا الشيخ، أو ذاك، وأن الخضر فعل مثل ذلك مع بعض الشيوخ، بقوله: أين هذه الطقوس والرسوم في كتاب الله؟ أين مكانها في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أين خرقة أبي بكر، أو خرقة عمر، أو خرقة عثمان وعلي؟ رضي الله عنهم أجمعين.
إن الصلة بين خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة هي صلة مسلم - لا يتقي إلا الله - برسول كريم جاء يعلمه هذه التقوى، ويفرضها عليه بأمر الله، أما صلة المريد بالشيخ فهي صلة قائمة على الصغار والمهانة والمسكنة والعبودية المستسلمة بكل مضارها، لهوى سفيه، إن ما يشرعونه هنا يسلب النفس إرادتها، إنه يجعل ممن يؤمن به وطاء ذليلًا مهينًا لهوى الشيخ ونزواته، ومن منطلق أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يكن يتميز على صحابته في مجلس، ولا كان يستأثر دونهم بشيء، بل ويعمل بمشورتهم، وأن خلفاءه الراشدون، كانوا يستمعون إلى من يصحح لهم، كتب الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - يعقب على شيوخ الصوفية تصرفهم، قائلًا: ما بال الشيوخ يحاولون قتل حتى أضعف الإيمان في قلب المريد؟ ألا تراهم يحرمون عليه أن يعترض على شيخه حتى بقلبه، وإن رآه يقترف منكرًا، ويتمرغ في خطيئة؟ ما بالهم يحرمون عليه الانتقال من طريقة، أو شيخ إلى شيخ؟ أليست كل الطرق - في ظنهم - توصل إلى الله؟ أليس الشيوخ جميعًا مشارق عرفان وهداية؟ فما بالهم - إذن - يهلكون المريد باليأس من قبول توبته، إذا انتقد بَغْيًا وقع من شيخه؟ ويتوعدونه بمصير المشركين إن اتخذ لنفسه شيخًا آخر غير شيخه؟! ما بالهم يحرمون على الشيوخ غفران زلات المريد في حق شيوخهم؟ إن هذه القسوة الصارمة
(1) ص 74 وما بعدها من عوارف المعارف.
(2) المصدر السابق.