فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 182

من شطحات الصوفية[1]

يقال: شطح في القول أو في السير: تباعد واسترسل، وقد صدرت عن الصوفية تعبيرات لا يقولها مسلم، فسماها الصوفية شطحات معتذرين عن أصحابها بأنهم قالوها في حال سكر من لذة المشاهدة! وسنرى أنها ليست شطحات، وإنما هي معتقدات تبرز في صورة كلامية واضحة جلية، غير أن الصوفية - خشية من ثورة الجماعة الإسلامية عليهم - حاولوا أن يخدعوا المسلمين، فأطلقوا عليها شطحات ترائيًا منهم بأنها لا ترضيهم جميل الرضا.

والغزالي يعرف الشطح بقوله: «كلام يترجم به اللسان عن وجد يفيض عن معرفة مقرون بالدعوى إلا أن يكون صاحبه محفوظًا» [2] ، وقد عرفت قيمة الوجد عند الغزالي، فهو معراج الروح إلى الملأ الأعلى.

من شطحات البسطامي [3] أو معتقداته:

وأبو يزيد البسطامي صوفي يقدسه كل صوفي، وكانت به إثارات من مجوسية لم يستطيع أن يكبتها، يقول عنه الصوفية: «وأشهر من أن يذكر، وأعرف من أن يعرف، وكان نادرة زمانه مالًا وأنفاسًا وورعًا» .

وهاك بعض قوله: «سبحاني ما أعظم شأني [4] ، ما الجنة إلا لعبة صبيان» ودق رجل بابه فقال: من تطلب؟ فقال الطارق: أبا يزيد، فقال أبو يزيد: ليس في البيت غير الله؟ وقوله: «قال لي الحق: اخرج إلى خلقي بصفتي، فمن رآك رآني» ، وفسر ابن عربي قوله هذا بقوله: «فمن ظهور صفات الربوبية عليه، ألا ترى خلفاء الحق في العباد لهم الأمر والنهي والحكم والتحكم، وهذه صفة الإله» [5] .

وقوله عن الله سبحانه: «رفعني مرة، فأقامني بين يديه، وقال: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زينني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك [6] ، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا» .

وقوله: أول ما صرت إلى وحدانيته، فصرت طيرًا جسمه من الأحدية وجناحاه من الديمومية، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف ألف مرة، فلم أزل أطير إلى أن صرت في

(1) مجلة الهدي النبوي - عدد 11 لسنة 1386 ه.

(2) ص 13 الإملاء الغزالي بهامش (ص 1) الإحياء.

(3) طيفور بن عيسى مات سنة 261 أو 234.

(4) قال ابن سالم: «فرعون لم يقل ما قاله أبو يزيد؛ لأن فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، والرب يسمى به المخلوق فيقال فلان رب الدار، وقال أبو يزيد: سبحاني سبحاني» .

(5) الكواكب الدرية ج 1 للمنياوي (ص 244) .

(6) في ابن الجوزي «ربانيتك» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت