هذا على حين يرى الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - أن هناك ثمة أوجه شبه متلازم بين عقيدة الصوفية والفلاسفة وغيرهم ممن يعتقدون التثليث، فكتب يقول:
يحاول العقل البشري - وهو قيد المادة - أن يكتنه حقيقة الوجود من أزله إلى أبده، وأن ينفذ إلى سريرة أسرار الغيوب فيما وراء اللانهاية.
ويتطاول هذا العقل في كبرياء بغيضة، فيحاول اكتناه حقيقة الوجود الإلهي، وتصوره، وتصويره، وإخضاعه لمقاييس العقل الباطلة، وأوضاع قيمه الزائفة في الوجود، والفكر والأخلاق.
كان ذلك فيما وراء الحقب السحيقة من تاريخ الإنسانية المجهول، وكان ذلك فيما وراء الميلاد، وكان، وكان، في كل عصر من عصور هذا العقل بدت منه تلك المحاولة الجريئة، فأعلن العقل مرة، وقد قهرته الحقيقة وصرعته قبل أن يلمس نقابها المقدس، أن وجود الله محسٌّ معقول، ولكن ما هو؟ وكيف؟ ومن هو في الحقيقة الذاتية؟
أسئلة أبدية لن يجد العقل عنها الجواب الحق: كيف يحاول العقل وهو رهن اللحم والدم والعظم أن يدرك حقيقة الوجود الإلهي، ورب الوجود، وهو فوق العقول وفوق كل شيء؟ الله موجود قضية عند العقل أجلى من الجلاء، وأشد وضوحًا من البداهة عند الفكر، قد يستطيع العقل في غلواء كبره البرهنة على أن النور ظلمة، والخير الذاتي شرٌّ، والوجود عدم، ولكنه أمام تلك القضية «الله موجود» يخر ساجدًا مخبتًا مؤمنًا.
والعلاقة بين الموضوع والمحمول علاقة ثابتة متمكنة، بل واجبة الثبوت والتمكن والدوام إلى ما لا ينتهي، ولكن ما حقيقة الذات؟ ما حقيقة وجودها؟ أمشخصة تلك الذات؟ أو جودها مطلق أو متعين؟ وهل واحد ذلك الوجود أو متعدد؟ وإذا كان واحدًا فما معنى وحدته؟ أهي الوحدة الحقة التي هتفت بحقيقتها الأديان «الله واحد لا شريك له، الخالق، الباري، المصور، له الأسماء الحسنى، العليم بالجزيئات والكليات الذي خلق الكائنات من العدم؟ أم هي تلك الوحدة الصورية الذهنية، التي تجرد رب تلك الوحدة من صفاته، بل تغالي في تجريده حتى لتصفه بالسلوب والعدميات، فتجعله هو بذاته عدمًا، ذلك لأن العدم هو الذي لا يوصف إلا بالسلوب؟
هنا يزل العقل في بعض أصنامه وأزمانه ويضل، ويصور الباطل حقًا، والمستحيل واجبًا، والعدم وجودًا، يزل العقل ويضل، إذ يحاول تصوير الوجود الإلهي ووحدته تصويرًا يتواءم وقضاياه الكاذبة، ويتلاءم وما في الذهن من صور باطلة، ويتفق وما أداه إليه حسه المخادع، بقياس الغائب على الشاهد.
تعاليت يا رب سبحانك أنت الخالق، ويحاول المخلوق أن يخلق صورتك!! أنت الإله المعبود الأعظم. ويحاول المألوه أن يتأله عليك!! منحتنا العلم والوجود والسمع والبصر، ولكن بعض من منحتهم نعمك هذه الجليلة العظيمة يأبون عليك ذلك، فيحاولون - في سفههم وخبالهم - تجريد ذاتيتك العظمى من العلم والوجود والسمع والبصر، لماذا؟ اسمع للعقل البشري في ضلاله وباطله يصور لك هذا الضلال، وذلك الباطل، يقول مغالطًا ليس لله سمع، لأن السمع يتطلب مسموعًا وسميعًا فتعدد الذات، والذات لها الوحدة الذهنية، هذا تصوير العقل الضال لمثل